رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن ما تتعرض له قطر لم يعد انتقادات، بل هجمات مغرضة وممنهجة، وأصبح يتضح أكثر أنه لا أساس لها، وخلفها دوافع عنصرية بغيضة وأهداف أخرى، ولا يجب أن يزعجنا كثرتها مع اقتراب البطولة، فهذا يفقدها المصداقية، ويجذب الانتباه اكثر للبطولة، وهو ما نريد، وبالتالي سيكشف زيف هذه الحملات المضللة وصورها النمطية، ويأتي بعكس النتائج المرجوة منها، ويجذب أكثر نحو ثقافتنا وقيمنا. وهي لا تستهدف الاساءة لقطر فحسب، بل لكل العرب والمسلمين كأمة، وكثقافة، وكحضارة، وأراها تأتي في سياق سعي الغرب الدؤوب، بمساعدته أذنابه من المنافقين العرب الآن، لفرض هيمنته، ليس الاقتصادية والسياسية فحسب، بل والثقافية أيضا، وان كانت لا تتناسب مع خصوصية وثقافات الأمم الأخرى، فهذا غير مهم، وبما فيها من انحرافات وشذوذ، وانحلال أخلاقي، علينا وعلى غيرنا من شعوب وثقافات الأرض الأخرى. ويبدو أن الشعوب العربية والاسلامية هي الأكثر استهدافا، لأنها الأكثر محافظةً، وان كانت في مرحلة ضعف الآن، الا أنها لاتزال تشكل كتلة صلبة، ونموذجاً حضاريا آخر منافس للنموذج الغربي، خاوي القيم، الرافض للأخر، والساعي لالغائه، علواً في الأرض واستكباراً، وعنصرية تنم عن شعور بسمو العرق الأوروبي الأبيض على سائر خلق الله. فلماذا لم نسمع مثل ذلك، من الآسيويين، أو الأفارقة، أو شعوب أمريكا اللاتينية مثلا؟ وقد عبرعن شيء من ذلك مؤخراً أكبر مسؤول في السياسة الخارجية الأوروبية، بقوله ان أوروبا حديقة متحضرة، ومعظم بقية العالم أدغال، فقد عبرعن الذهنية الغربية، ونسى أن الحديقة الأوروبية المتحضرة قد بنيت من نهب ثروات تلك الأدغال واستعباد شعوبها. وهل هذا هو وجه أوروبا المتحضر الذي تطل علينا به بين حين واخر، بمثل تلك الرسوم القبيحة، المليئة بالكراهية والعنصرية، تسب وتشتم رموز الأمم الأخرى الدينية، وتهاجم وتحتقر ثقافتها وقيمها الحضارية، وتزدري الرسول الأعظم، ومعلم البشرية الأول، نفاقا وكذبا باسم حرية التعبير وحقوق الانسان، وهو واضع حقوق الانسان ومتمم الأخلاق، فتضلل وتحرض على التطرف والكراهية، وتعزز صورة نمطية كاذبة.
فهل تُّجر بطولة رياضية الى حلبة صراع تاريخي أشمل بين غرب متوتر يخشى أفوله، وشرق عربي اسلامي يخشى قدومه، فتتحول الى منصة هجوم عنصري وحملات تضليل كاذبة، عوضا عن اختلاف وحوار متحضر تتم فيه مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالرهان، أم أن القارة العجوز عجزت عن ذلك وتعلم أنها خسرت معركة القيم والأخلاق منذ فترة، قتلجأ للتضليل والنمطية والتحريض على الكراهية والتخويف من الاسلام والمسلمين. فالخوف لو تأثر وأسلم أحد المشاهير، فكم سيكون لذلك من تأثير على الجماهير، والاسهام في كشف زيف ذلك التضليل والصور النمطية التي يراد اظهار الاسلام والمسلمين بها. وقد قرأت تعليقا لصحفي انجليزي يعرض فيديو لمنتخب بلاده وهو يتدرب في قطر والأذان يؤذن، ويقول انه مؤثر.
حقوق الإنسان
إن من يصدق أن الغرب يهتم بحقوق الانسان فهو ساذج. فلا يوجد منتهك لحقوق الانسان، أكبر من الغرب وأنظمة التي تتشدق بها الآن، سواء استذكرنا سجله الاستعماري غير البعيد، أو امتداده القريب، الذي أباد واستعبد شعوبا في أمريكا وأستراليا، وأفريقيا، وآسيا، ونهب ثروات معظم شعوب العالم الثالث اليوم، وفرض نظام فصل عنصري اسرائيلي محتل، وأنظمة ديكتاتورية تخدم مصالحة، وتبقي شعوبها في دائرة الفقر والتخلف والفساد والاستبداد، وفي حين هو يدعم حركات التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية، فهو يدعم الأنظمة الاستبدادية في العالم الاسلامي، وهو يعلم أنها الأكثر انتهاكاً لحقوق الانسان، طالما ظلت تحقق مصالحه، ومتى تمردت عليه، ابتزها بحقوق الانسان. فأي نفاق أكبر من المتاجرة بقضية مقدسة كحقوق الانسان. أما في بلدانها فلا يزال كثير منها يمارس التفرقة العنصرية والمعايير المزدوجة بين مواطنيها بناء على العرق والدين وتسيء معاملة المهاجرين واللاجئين، في فرنسا والسويد، والدنمارك وغيرها. فعلى الأوروبيين الكف عن محاولة اعطائنا مواعظ في حقوق الإنسان.
وللأسف ان هناك من السذج من أبناء جلدتنا من يحرض علينا ولا يزال يحيك الدسائس ضدنا، ظناً منهم بأنهم بذلك يستهدفون قطر وحدها، ولا يعلمون أو قد يعلمون أنه لو نظمت بلدانهم هذه البطولة، لتعرضت لنفس الحملات العنصرية الابتزازبة المغرضة. ففي نظر الغرب المتطرف، الكل سيان ولا فرق عندهم بين هذا العربي أو ذاك، فكلهم في قارب واحد.
حقوق العمال
للأسف كثيرا ما تستخدم المنظمات الدولية (سواء في مجال حقوق الانسان أو الاقتصاد والمال أوغيرهما) كأدوات وأذرع خفية لتحقيق أهداف الاستعمار الغربي القديم، بحجج حقوق الانسان، والتنمية وحرية الأسواق، فهناك ازدواجية في هذا المجال. ولا تكاد تخلو دولة، بما فيها الدول الأوروبية التي تعد نفسها متقدمة، كفرنسا وغيرها، من الانتهاكات لحقوق العمال والمهاجرين، والانسان بل والعنصرية الممنهجة. كما لا يدعي أحد أن سوق العمل في قطر خالية من العيوب وأوجه القصور التي يتم تطوير سوق العمل لتداركها، فهي ليست استثناء، ولكن لا يمكن القول ان هناك نمطا، أو ظاهرة. ونستطيع القول ان العمالة الأجنبية في قطر تتمتع بحقوق، لا يتمتع معظمها بمثلها في أوطانها، ويظل ذلك جزءا من تعاليم ديننا وأخلاقنا، قبل القوانين الدولية.
وقد قامت قطر باصلاحات لسوق العمل، أثنت عليها منظمة العمل الدولية والفيفا، فرفعت الحد الأدنى للأجور، ونظمت ساعات العمل والسكن وغيرها، وألغت نظام الكفالة مع الملاحظات على ذلك، ومع أنه مطبق في كثير من دول العالم وله مبرراته، التي لست بصدد تناولها الآن، ولكن منها أن هناك تكاليف ثابتة للاستقدام والتدريب يدفعها المستقدم الأول الذي يتضرر بسبب انتقال العامل لعمل اخر دون مراعاه لذلك، وقد يتم الاستحواذ على هؤلاء من أصحاب أعمال وشركات أكبر وأوفر حظا، وهذا قد يحدث ارتباكا في سوق العمل ويلحق أضرارا باصحاب الأعمال والحرف الأصغر. ان سوق العمل حرة في اصلها وفي أوطانها، ويمكن التسوق والاختيار هناك، ولكن حينما يتم الاستقدام، يجب الالتزام بالعقود، لأنه مطلوب للاستقرار، ولتعزيز تنافسية الأسواق وازدهارها.
إن دول الخليج تعاني من خلل في التركيبة السكانية، وهي تتبنى نظام هجرة مفتوحة للعمالة الأجنبية، ليس له مثيل على مستوى العالم، وهذا نتيجة لنموذج النمو الريعي العقاري القائم على كثافة استخدام اليد العاملة، الذي تتبناه هذه الدول، وهذا يخلق فرص عمل ودخولا كبيرة لهذه العمالة ولعلائلاتها، ويسهم في خفض معدلات الفقر وفي رفع مستويات المعيشة في بلدانها، وفي تنمية أوطانها، ولكنه يأتي بثمن باهظ على دول الخليج، اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا. فهو يؤدي الى تسربات كبيرة في رؤوس الأموال الوطنية الى الخارج من خلال تحويلات العاملين، ويؤدي الى تحورات في التركيبة السكانية للمجتمع، حتى أصبح المواطنون أقليات في أوطانهم، وهذا يقرع جرس انذار لدول الخليج، وقد تكون له تبعات سياسية مستقبلا، وهذه ظاهرة غير موجودة في الغرب، لذلك تجب مراعاة هذه الخصوصية لدول الخليج، ولكن لا أعتقد أن الدول الغربية تكترث لذلك، ان لم تكن تشجعه وتدفعه أساسا، ولنتذكر جيداً هذا الجانب في النموذج السنغافوري، الذي أدى الى فصل سنغافورة عن ماليزيا الأم لتوطين العمالة الصينية المهاجرة، لذلك لا يجب التعويل كثيراً على الغرب ومنظماته الدولية في تفهم ذلك، ولا يجب الرضوخ لكل ما يطلبون.
حقوق المثليين هل يتسبب حضورهم البطولة في مواجهات مع السلطات أو أزمات دبلوماسية مع بلدانهم
وهنا أتساءل وما هي حقوق المثليين المطلوبة من قطر؟ فليحضروا المباريات كغيرهم، ولكن ليس من حقهم مخالفة قوانين البلاد، ويجب عليهم أن يحترموها وان يلتزموا بها كغيرهم. ان اباحة الغرب للشذوذ، لا يعني أن نتبعهم، ولا يعني أنهم على حق. ولا أعلم لماذا، ولكن من الواضح أن لدى الكثير من هؤلاء مشكلة مع الأخلاق، فتجد حملاتهم المكثفة تصوب نحوها، وتحوم حول هدمها، وهذا لا علاقة له ببطولة رياضية!.
وأتمنى أن يحترم هؤلاء قوانين البلاد وان يلتزموا بها، والا فليكونوا عرضة لتطبيق القانون، ولا ينبغي أن يتسبب ذلك في خلاف دبلوماسي مع أية دولة، لأن كل دولة تريد وتتوقع أن تُحترم قوانينها، انظر الى فرنسا مثلا مع ازدواجية معاييرها. فكما يحبون ويتوقعون أن يلتزم من يزورهم بقوانينهم، فنحن كذلك. ثم ما هي القضية التي يناضل من اجلها هؤلاء؟ ليست لديهم قضية! انهم لا يناضلون من أجل حقوق انسان، كالسود في أمريكا، أو الايغور في الصين، أو الروهينجا في ماينمار، أو المحجبات في فرنسا، أو سوء معاملة اللاجئين أو الأطفال، أو شيء من ذلك. في الحقيقة، ان ما يدعون اليه، هو ضد الفطرة البشرية وحتى البهيمية، ولو طبق العالم فكرتهم وممارساتهم، لتوقف النمو الاقتصادي، ولاختفى الجنس البشري في أجيال معدودة، ولتحول العالم الى خراب. فما الحكمة من محاولة تطبيع ذلك ونشره في المجتمع؟ وأنت هنا لحضور بطولة والاستمتاع بالمباريات، فما هي الرسالة التي تريد ايصالها باستعراض ميولك أو انحرافاتك الجنسية؟ لماذا لا تحتفظ بها لنفسك وكفى؟ ان الدعوة، وبأية طريقة، للشذوذ والرذيلة، ومحاولة تطبيعها، ونشرها في المجتمع، يجب أن تقاوم بشدة، خصوصا اذا كانت تستهدف الشباب، بمحاولة التأثير عليهم أو تضليلهم أو افسادهم، فيجب أن تحارب بكل بقوة. ثم ان التزام هؤلاء بالقانون، فهو حماية لهم، من أي ردود أفعال من الجمهور والعامة.ً
رسالتنا للعالم من كأس العالم
وأختم بالقول، لقد أنفقنا في الاعداد لهذه البطولة حتى الآن 220 مليار دولار، لتصبح الأغلى في تاريخ بطولات كأس العالم، وعدلنا الأنظمة والقوانين، وفعلنا كل ما هو ممكن لانجاحها، سعيا لتكون البطولة الأفضل تنظيمياً في تاريخ بطولات كأس العالم، وعوضا عن أن نشكر على ذلك، ها هي حملات التحريض العنصرية المغرضة تزداد وتتطور مع اقتراب البطولة. فبداية، تحججت بحقوق العمال، ثم النساء، ثم الانسان، ثم الشواذ، ثم القطط والكلاب، وغير ذلك، ثم في اخر صيحة، حتى كتابة هذا المقال اتهمت قطر بالتجسس على المشجعين من خلال تطبيقي هيّا، واحتراز، ولن تتوقف الهجمات والمؤامرات، ولن يرضى عنك من أعمى بصيرته الحقد والكراهية والعنصرية مهما فعلت. فاذا كنا نفتخر باقامة هذه البطولة لأول مرة في بلد عربي ومسلم، واذا كنا ندعي أنها بطولة لكل العرب، وأنها تمثلهم، فلتكن كذلك، فبالضرورة هي يجب أن تعكس مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم العربية الاسلامية، التي هي في المقام الأول قيمنا وأخلاقنا، ولنقدم نموذجا جديدا في تاريخ بطولات كأس العالم حري بالعالم أن يحتذى به، فلنثبت على ذلك ان كنا على الحق، ونلتزم بمبادئنا وأخلاقنا وقيمنا، ولنقدمها خير تقديم كنموذج حضاري اخر للعالم، الذي يقاتل الغرب مفلس القيم والأخلاق من أجل احتكاره، ولا نتنازل عن ذلك أوعن شيء من سيادتنا، ارضاء لغرور هذا أو عنصرية ذاك، فلن يرضيهم اي شيء، ولنقدم البطولة بطريقنا ونموذجنا الأخلاقي، ومن شاء فليحضر، ومن لم يعجبه ذلك فليبق في بلده. فلا يمكنك ابتزاز دولة ذات سيادة من أجل بطولة رياضية مدتها 28 يوما.
وأسأل الله أن تخرج قطر بعد كأس العالم أكثر عزة وقوة وثباتا على الحق والمبادئ أكثر من ذي قبل.
أوراق الخريف
تتساقط أوراق الخريف بهدوء، تودع أغصانها التي احتضنتها طويلاً، لترسم على الأرض لوحة من الحنين. هكذا هي بعض... اقرأ المزيد
99
| 07 أبريل 2026
جاهزية الخطط التنفيذية لتحقيق الاستقرار المالي
تجسد العروض الخاصة بالخطة التنفيذية لجاهزية ومرونة البنية التحتية الحرجة، وعروض مصرف قطر المركزي ووزارة المالية المتعلقة بالخطط... اقرأ المزيد
99
| 07 أبريل 2026
إدارة الأزمات.. وجه آخر للمسؤولية المجتمعية
سبق لنا وأن بينا، في مقال سابق، بأن الأزمات في الغالب هي أزمات فردية، تلم بفرد أو مؤسسة... اقرأ المزيد
135
| 07 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
4320
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
2055
| 05 أبريل 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
2040
| 02 أبريل 2026