رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن تاريخ 18 ديسمبر على مر السنوات يوماً عادياً، بل كان وسيظل تاريخاً مميزا، أما سر تميُّزه فيكمن في أنه التاريخ الذي ظل يثبت فيه حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد المفدى كل عام متانة ذلك الارتباط العاطفي الوثيق وتلك المشاعر القلبية والإنسانية الجياشة التي تفيض بالحُب والوُد الصادق بين القيادة والشعب وكل مقيم يسكن هذه الأرض الطيبة، بل وكل من وطأت قدماه هذا البلد، زائراً كان أم سائحاً، إن هذا اليوم هو يوم الولاء والوفاء والفداء، الولاء من الشعب المحب إلى القائد الرمز، لأنه يرى فيه الأمير المتواضع والأب والأخ الحنون والقريب الواصل لرحمه والمعتز بأصله وقرابته. والوفاء من القائد لشعبه الذي يحبه ويقدِّره حق تقديره، فصاحب السمو الأمير، هو أحد أولئك القلائل الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الشعب، حببه الله في الخير وحبَّب الخير إليه. وأما الفداء فهو فداء القائد والشعب لديننا الحنيف ولهذا الوطن، فنحن جميعاً على عهد الوطن باقون، وعلى نهج الآباء والأجداد سائرون وفي دروب الخير والعمل والنهضة متقدمون.
وربما يستغرب العالم في العلاقة الحميمة التي تربط بين القطريين وصاحب السمو الأمير، لماذا تستغربون؟ وهو قريب منا وهو معنا في أفراحنا وأحزاننا، يجلس ويتحدث إلينا كما كان المؤسس رحمه الله الشيخ جاسم بن محمد يجلس مع القبائل القطرية. فقصة الحب هذه ليست مجرد رومانسية من نسج الخيال، إنما قصة حب واقعية حقيقية بدأت منذ زمن طويل، وما زالت غرامياتها تجري في عروق الشعب القطري كل يوم، فلقد استطاع صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في سبعة عشر عاماً أن يبني قطر الحديثة، قطر التي وضعت اسمها عالياً حتى أصبح يضيء السماء، قطر التي ثبتت علمها في سارية المجد فغدا خفاقاً يسر ويسعد الناظرين، قطر التي ارتقت درجات سلم الحضارة والتقدم ليس فقط في مجال الاقتصاد والسياسة، ولكن في جميع المجالات الإنسانية والاجتماعية، فلقد نقشت قطر اسمها بأحرف من حُب في قلوب كل الناس.
لقد كانت سياسة صاحب السمو الأمير واضحة منذ البداية أن الإنسان هو عماد التطور والتقدم الحضاري، وأننا في قطر لا نخشى العولمة ودهاليزها وتداعياتها، لأننا ارتكزنا على أساس قوي متين من التنمية مصطحبين معها هويتنا الجامعة وإرثنا الفكري والتراثي والأخلاقي، فكان أن تفجرت منها عيون التعليم المتقدم والإعلام الحُر وحقوق الإنسان، وتلك كانت أهم المجالات التي تم التركيز عليها منذ تولي صاحب السمو الأمير مقاليد الحكم في البلاد.
لذلك، فعندما يسير صاحب السمو الأمير مترجلاً أمام الجماهير بعد المسير في صبيحة اليوم الوطني، فإنه يحيي الجميع من مواطنين ومقيمين، ويسلم على كبار السن والشباب ويقبِّل الأطفال، في مشهد رائع بديع يفيض بالمحبة والمعزَّة والوله والغرام والهيام الأبدي، مشهد من شدة العشق لا تستطيع معه دموع الفرح أن تبقى مكانها، فتهبط من مكمنها جزلةً بشوشة في لحظات الفرح في يوم الفرح، إنها باختصار قصة الحب القديمة المتجددة والعلاقة بين الأمير وشعبه، فصاحب السمو الأمير متيم بشعبه والشعب متيمٌ به حتى الهيام.
إذن فليرَ العالم، وليرَ كل من يتحدث عن قطر بسوء، مدى وشكل علاقة هذا الحُب الطاهر الذي تنسج خيوطه أمهاتنا في مناسج السدو، ويسقيه آباؤنا في مراح الإبل، ويلمِّعه أجدادنا كل صباح في أصداف اللؤلؤ، ويستذكره شبابنا في قاعات المحاضرات والمتاحف وصالات الفنون، ويردده أبناؤنا مع طابور الصباح في المدارس، وتجلجل به آليات المصانع وأروقة المكاتب: كيف أننا في قطر، قيادةً وشعباً ومقيمين، هدفنا واحد، هو بناء قطر، وأن صاحب السمو الأمير المفدى بفكره وحكمته ونظرته الثاقبة استطاع أن يجعل قطر، الدولة الأعلى نمواً في كل المجالات، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وإنسانياً.
فإنجازاتنا الكبيرة تلك لها أهميتها لأنها تأتي في الوقت الذي كانت فيه المنطقة والعالم العربي تمر بفترة من الاضطرابات والتحولات، فالانتفاضات الشعبية ضد الحكومات الاستبدادية قد هزت بعض الدول العربية، لكن قطر وقفت دوماً دعامة للاستقرار من خلال عدة مبادرات جريئة، فصاحب السمو الأمير الذي استطاع من خلال الربيع العربي أن يثبت للعالم أن هناك شعبا عربيا يريد أن يعيش في جو مفعم بالعدالة، تشع فيه كل يوم شمس الحرية الدافئة ويستنشق فيها أوكسجين الكرامة الإنسانية، فكان دعمه للشعوب العربية ضد الاستبداد ومد يده الكريمة لهم من أجل الأمن والاستقرار في عالمنا العربي، وهذا ليس بغريب علينا في قطر لأن صاحب السمو الأمير رسخ فينا حبنا للشعوب العربية، فبلاد العرب أوطاننا. فدولة قطر الصغيرة في حجمها ومساحتها، كبيرة في دعمها للشعوب العربية من أجل السلام في المنطقة ومن أجل التنمية المستدامة، انطلاقاً من الفهم الراقي المتحضر والفكر المستنير والخلفية الإنسانية النادرة لحضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في أن الخير والسلام لنا ولسوانا.
على العالم ألا يستغرب عندما يرى بلداً ضمن حدود الوطن العربي تتجسد فيه علاقة حب من الدرجة الأولى بين الرئيس والشعب، وأن يخرج المواطنون والمقيمون على السواء مبكرين لتحية سمو الأمير احتفالاً بمناسبة اليوم الوطني، فقطر ليست كبعض الدول التي خرجت شعوبها في ثورات ضد حكامها المستبدين، فلقد خرجنا في قطر ثائرين بالحُب والعشق لقائدنا، ولنثبت للعالم أننا في قطر عائلة واحدة ومجتمع واحد تحت قيادة سمو الأمير، ولنقول للعالم بأن أميرنا معنا يزورنا ونزوره، نراه ويرانا، نشاركه الفرح ويشاركنا أفراحنا ونحييه ونصافحه ويتحدث معنا، فهو أبانا الذي علَّمنا الحُب وأخانا الذي علَّمنا معنى أن نتقدم ونزدهر.
على العالم ألا يستغرب عندما يرى حشود القطريين والمقيمين تملأ الساحات والشوارع، تربطهم هذه العلاقة من الحب مع صاحب السمو الأمير، لأننا أصبحنا في قطر أكثر تقدماً في كافة المجالات، من الإعلام مروراً بالثقافة، فالشؤون الاجتماعية، فالتعليم، فالصحة، فالاقتصاد إلى السياسة، فقطر اليوم هي قرطبة الأمس الأندلسية الضاربة جذورها في التاريخ حضارةً وثقافةً إسلامية ومنارة للعلم والثقافة والأدب، فلقد رسم صاحب السمو الأمير لقطر عصراً ذهبياً جديداً من التقدم والرقي، ونجد أعلى درجات الرقي هنا في قطر، متجسداً في ذلك المشهد الراقي حقاً عندما يلتحم الرئيس بشعبه وتزول عند تلك اللحظة التاريخية جميع الحواجز والعوائق.
فوالله ثم والله إنها لقصة حب صادقة ونابعة من صميم أفئدة هذا الشعب، فليحفظ الله لنا أبا مشعل، الأمير والأب والأخ، وأن تدوم لقطر العزة والفخر والمجد، وأن تستمر المسيرة طوال السنوات القادمة، فحبك لشعبك يا صاحب السمو الأمير حبٌ متبادل وكذا شعبك بك مغرم، وأننا جميعاً أبناء هذا الوطن نفديك بأرواحنا، حتى أننا نفعل كما يفعل المحبون، نجرح أنفسنا لنرسم بدمائنا قلباً كبيراً.. ثم نكتب بداخله: "نحبك أبا مشعل".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5829
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2763
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2454
| 02 يونيو 2026