رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تولى جاستن ترودو رئاسة الوزراء في كندا عام 2015، أحدث تألقه الشخصي حالة من الهوس في أنحاء العالم، وتمنى كثيرون في دول كثيرة عربية وأجنبية لو أنه كان رئيسهم. أشارت لذلك، آنذاك، مجلة الإيكونوميست البريطانية، وعنونت أخرى وهي "رولنج ستون" الأمريكية صراحة تقول (لماذا لا يكون ترودو رئيسنا؟). واعتُبر وصول ترودو إلى سدة الحكم، وقتها، تتويجا وتلميعا لليبرالية الغرب، ذلك النظام السياسي الذي أريد له أن يكون نهاية التاريخ ودين العالم الجديد. لكن نحو عشر سنوات من حكم ترودو، الذي ينتهي فعليا في مارس المقبل، كانت كفيلة بإظهار وجهه الحقيقي بعيدا عن وسامة ملامحه ونعومة شعره، كما كانت كفيلة بإظهار كل قبائح تلك الليبرالية المزعومة، التي رُوج أنها درة حضارة الغرب فلم تزد على أن تكون رمز "حقارة" الغرب، ومجرد بروفة لدين الدجال المنتظر.
وقد بدأ كتاب كثيرون يتساءلون: كيف أمكن لمثل هذه الشخصية الضعيفة، التي تم كشفها في نهاية المطاف، أن ترتفع في عالم السياسة إلى هذا الحد، حتى مع الأخذ في الاعتبار ميراث أبيه السياسي الكبير؟ ويوضح الكاتب الكندي مايكل كوينكو "إن ذلك حدث من خلال الاستعراض والخداع والشهرة". ويضيف: وقد تمكن (ترودو) بهذه الوسائل من التغطية على التناقضات المتصاعدة المروعة ليس فقط في الحزب الليبرالي الكندي، بل وفي الليبرالية نفسها". ففي الوقت الذي كانت الليبرالية، الأيديولوجية الغربية المهيمنة، تعاني بشدة في كل من أوروبا والولايات المتحدة-برغم محاولات تعظيمها من قبل "سحرة الفكر" من أمثال هنتنجتون وفوكو واعتبارها المثل الأعلى للأيديولجيا- فقد كانت على موعد مع نجاح كبير مفاجئ في كندا حيث بلغت قمة تألق جديدة بقيادة ترودو، بداية من عام 2015. وبدت كندا وكأنها معقل صمدت فيه الليبرالية بل وانتعشت. وقد كان ذلك بالنسبة لحكام الغرب الأصليين وبالوكالة، أوهامًا ضرورية يبيعونها للجماهير. فقد أصبحت كندا، والكلام لكوينكو، مثل "قاعة التباهي" بأن عقيدتهم الليبرالية، لا تزال تمتلك فرصة في عالم أصبح أكثر عداءً لها بعدما اكتشف زيف شعاراتها وتناقضاتها. فبينما كانت بريطانيا تتجه للخروج من الاتحاد الأوروبي (فشل ليبرالي) وكانت الولايات المتحدة تتهيأ لاستقبال ترمب رئيسا، (ضربة أخرى لليبرالية المثالية، باعتبار ترمب من المحافظين، وهذه فيها تفصيل لاحق)، كان صعود ترودو في كندا بمنزلة نقطة ضوء وانتعاش كبيرة لليبرالية.
لكن ذاك الصمود انتهى إلى فشل ذريع، إذ لم يحقق ترودو بوسامته وحسن منطقه أي إنجاز حقيقي على المستوى السياسي أو الاقتصادي ولم ينفذ أيا من وعوده الأساسية مثل خفض تكاليف المعيشة وحل مشكلة الإسكان التي جعلت شباب كندا مثل شباب دول كثيرة في العالم الثالث يفقد الأمل في اقتناء منزل وتأسيس أسرة سعيدة، وهو الشعار الكاذب الذي خدع شبابا كثيرين للهجرة إلى الغرب وخاصة كندا لعقود طويلة. الأمر الذي أدى إلى شيوع موجة هجرة عكسية متصاعدة من كندا وليس إليها، حتى بين البيض قبل الأعراق الأخرى.
ومع اشتداد الأزمة تحول النجم إلى شيطان في عيون قطاعات كبيرة. وانتشرت في كل شوارع كندا وعلى السيارات عبارات بذيئة بحقه، أقرب ترجمة مقبولة لها يمكن أن تكون "اللعنة على ترودو". وبعد 'التأليه" العجيب الذي حظي به في البداية، بدأت تدريجيا مرحلة الشيطنة وانكشاف الوجه الحقيقي، مع تزايد معدلات الفقر نتيجة ارتفاع الأسعار المتواصل وغير المبرر، واشتداد أزمة الإسكان التي تسبب بها نتيجة سياسته الهوجاء في استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين الذين شكلوا عبئا خطيرا على سوق العمل وعلى كل القطاعات، ما أدى إلى تزايد معدلات التضخم وتحوّلِ المتسولين في شوارع وميادين المدن الرئيسية من أفراد متناثرين إلى جماعات كبيرة وجيوش حقيقية مشوهة للمنظر العام، بل ومخيفة أيضا فيما يشبه بالفعل أفلام (walking dead) أو "المشاؤون الأموات". ولا عجب أن كان "النجاح" الوحيد الفعلي الذي حققه هو نشر الشذوذ وفرضه تقريبا على الكنديين إضافة إلى تشريع وتقنين استخدام وشراء المواد المخدرة "الماريجوانا"، لدرجة أن محال بيع تلك المواد باتت في كل ركن وزاوية. والأدهى من ذلك وهو ما تم أخيرا، وقبل أسابيع قليلة، هو بيع الخمور في محال السوبرماركت الصغيرة. وبتزايد الأسعار وتكلفة المعيشة يتزايد عدد المعسرين. وبتزايد هؤلاء يتزايد عدد المشردين والمدمنين وإقبالهم على كل أنواع المخدرات والموبقات، وكأن هذه هي الخطة وليس الخطأ.
وبعدما كان أنصار ومروجو الليبرالية يقدمونها قديما، منذ عهد روزفلت، وحديثا على أنها الأمل في مستقبل أفضل والتيار الذي سيحمل الجميع نحو الرفاهية، أظهر فشل ترودو الذريع وجهها القبيح وأنها مجرد وعود في الهواء. فحال الناس في أي دولة من دول الليبرالية في تدهور مستمر تشهد به الأرقام والإحصاءات حتى وإن ادعى كهنتها العكس. وباستقالة ترودو يفترض أن ينتهي وهم الليبرالية وعصرها البراق الزائف. وليتأكد للعالم ما خلُصتُ إليه في ورقة بحثية قدمتها في إطار نيل درجة الماجستير وكانت بعنوان "الليبرالية هي الشعار والواقعية هي الفعل"،2004. بمعنى أن ما يحكم العالم كان ولايزال وسيظل هو منطق شريعة الغاب (هوبز)، وأن الإفساد في الأرض يجري على قدم وساق، على طريق صناعة الكفر.
essam7@gmail.com
«فإِذا فرغت فانصب»
حين تتزاحم الملهيات على القلب، وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية، حتى تكاد تسرق من الإنسان صفاءه الداخلي، تأتي الآية... اقرأ المزيد
153
| 03 مايو 2026
معضلة براءة الاختراع
لطالما قُدمت براءة الاختراع للمبتكر العربي على أنها 'صك الأمان' ودرعه الحصين، لكن الواقع التقني المعقد اليوم يكشف... اقرأ المزيد
153
| 02 مايو 2026
نبض العطاء
يُعد يوم العمال العالمي مناسبة مهمة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يقوم به العمال في بناء المجتمعات... اقرأ المزيد
123
| 02 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3795
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1314
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
984
| 29 أبريل 2026