رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

498

د. جاسم الجزاع

ما لا يُقال في جلسات الاستشارات الإدارية

21 يناير 2026 , 02:44ص

يمر علي أحياناً وأنا أجلس وحدي بعد انتهاء لقاء استشاري إداري مع أحد المستفيدين من الشباب المقبلين على صناعة مستقبل وظيفي أو منصب قيادي، أو مشروع خاص، تساؤل معتاد: لماذا يبدو طلب الاستشارة الإدارية مثقلًا في نفوس البعض ؟ ففي تلك اللحظات، لا أفكر في النماذج التي قدمتها ولا في الخطط التي وضعتها، بل في ذلك الشعور الخفي الذي يرافق من يطلب المشورة الإدارية، شعور يشبه محاولة التقاط النفس قبل الغرق، فلم يكن طلب الاستشارة الإدارية يومًا ترفًا أو خطوة باردة محسوبة، بل كان في الغالب فعل يحوي اعترافًا داخليًا بثقل المسؤولية، وبالخوف من الخطأ، وبالوحدة التي تصيب من يُطلب منه أن يدير مؤسسة أو منشأة أو شركة أو حتى إدارة حكومية، وهو يعلم أن القرار لا يحتمل الفشل.

فخلال سنوات من العمل المباشر في التدريب والاستشارات في القطاعين العام والخاص، واستقبالي لعدد من طالبي الاستشارة، كان هذا الإحساس حاضرًا بقوة، حتى حين لا يُقال، فإني أراه في نبرة الصوت، وفي التردد قبل طرح السؤال، وفي الرغبة غير المعلنة بأن يكون الحل ممكنًا دون أن يكسر شيئًا قائمًا منذ زمن أو دون تحمل مخاطرة ما.

ورأيت ما يحوم حول عالم الاستشارات الإدارية من قدر كبير من «المثالية»، فتُعرض الاستشارة غالبًا كحل جاهز، كأنها قادمة من عالم واضح لا تشوبه تعقيدات البشر وممارساتهم، فنجد مصطلحات أنيقة، ونماذج مرتبة، وخططاً تبدو على الورق منطقية ومقنعة، لكنني تعلمت أن الواقع مختلف، فمن يجلس في موقع القرار يعرف أن المشكلة ليست في فهم الحل، بل في كيفية العيش معه، وفي الأثر الذي سيتركه على الناس، وعلى العلاقات، وعلى توازنات تشكلت عبر سنوات طويلة.

فكثير ممن طلبوا الاستشارة كانوا مترددين في الأخذ بها، لا لأنهم لا يثقون بالمعلومة أو يرفضون التطوير، بل لأنهم يشعرون أن ما يُعرض عليهم لا يشبه بيئتهم الشعبوية، وثقافتهم المجتمعية الخاصة بعاداتها ولا تناسب توقعاتهم غير المكتوبة، فلا تصنع واقعًا يمكن القفز فوقه، فهناك قرارات “صحيحة” نظريًا، لكنها قاسية اجتماعيًا، وأخرى منطقية إداريًا، لكنها مربكة نفسيًا لمن سيُطلب منهم تنفيذها.

في مجتمعاتنا العربية التي تقوم فيها علاقاتنا على المنفعة الشخصية، أو مراعاة الاعتبار الاجتماعي والمجاملة، تصبح بعض التوصيات الإدارية عبئًا لا حلًا، وحين لا يلتفت المستشار إلى هذا الجانب، تتحول الاستشارة من دعم إلى مصدر ضغط إضافي، وهنا يتضاعف الألم، وأعني به ألم الحاجة إلى التغيير، وألم الإحساس بأن الحل أحياناً لا يفهم الواقع كما هو.

وبكل صراحة ما كان يؤلمني شخصيًا، أن بعض من يطلبون الاستشارة يأتون وهم يشعرون بشيء من التوتر، كأن طلب المشورة اعتراف بالعجز أو الفشل، وهذا الإحساس لا تصنعه الإدارة ومعطياتها، بل تصنعه النظرة الاجتماعية التي ترى القائد أو المدير أو صاحب المشروع مطالبًا بأن يعرف كل شيء وألا يتردد في فعل كل شيء، وحين تأتي الاستشارة محمّلة بمثالية زائدة، فإنها تزيد هذا الشعور عبئاً بدل أن تخففه.

حديثي هنا ليس نقدًا قاسيًا لعالم الاستشارات الذي أعمل به وأسعد به، بل محاولة لإعادته إلى موضعه «الإنساني»، فالاستشارة الحقيقية لا تبدأ بالنماذج، بل بالإنصات والاستماع الجيد، وأن لا تُقاس بجمال العرض، بل بقدرتها على أن تُحتمل ويتم تفعيلها في الواقع، فالإدارة، في النهاية، ليست مجموعة وصفات، بل تعامل يومي مع بشر لهم مخاوفهم وحدودهم.

اقرأ المزيد

"السكر" الذي حكم العالم "السكر" الذي حكم العالم

في منتصف القرن العشرين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بهجوم على كوبا إلا أنها لم تطلق رصاصة واحدة !... اقرأ المزيد

291

| 25 أغسطس 2026

مروان بن محمد و "شيخوخة الدولة" مروان بن محمد و "شيخوخة الدولة"

عندما اعتلى الخليفة الأخير الأموي مروان بن محمد منصب الخلافة سنة 127هـ، لم ير أمامه دولة فتية مستقرة،... اقرأ المزيد

168

| 18 أغسطس 2026

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟ لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟

على مدار الأزمنة والعصور، نجد أنه لطالما انساقت الشعوب بضميرها الطيب والبسيط وراء خطابات براقة ومعسولة من بعض... اقرأ المزيد

612

| 04 أغسطس 2026

مساحة إعلانية