رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيزائي قاراقوج يُعتبر شخصية رئيسية تمثل الجيل الثاني من التفكير الإسلامي في تركيا. وعلى عكس نجيب فاضل، الذي نشأ في اسطنبول وتلقى تعليمه في الغرب، وُلد قاراقوج في شرق تركيا وحصل على تعليمه داخل البلاد. هذا سمح له بتفسير ما حوله من منظور داخلي، حيث دافع بقوة عن الحفاظ وإحياء التراث العثماني والإسلامي.
سعى سيزائي قاراقوج لإحياء الحضارة الإسلامية على غرار الفلاسفة الصوفيين التقليديين مثل الغزالي، الرومي، ويونس إمره، وأيضا سعى إلى توسيع وتعزيز الرؤية التي وضعها نجيب فاضل. استقصى قاراقوج أسئلة عميقة طرحها أسلافه، بهدف إعادة الحياة إلى الأمة الإسلامية. وساهمت أعماله في الحوار المستمر حول إحياء القيم الإسلامية، مستندة إلى فهمه العميق للسياق الثقافي والتاريخي لتركيا.
ولد سيزائي قاراقوج في عام 1933 في ديار بكر، لعائلة من الطبقة المتوسطة. رغم أوضاع عائلته المحدودة، استمر في مسيرته الأكاديمية بعزيمة. حصل على تعليمه الثانوي من خلال منحة حكومية وتابع دراسته في كلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة. خدم سيزائي قاراقوج كموظف ضرائب في وزارة المالية في الفترة بين عامي 1956 و1965، حيث تنقل بين العديد من المدن التركية كجزء من واجباته الوظيفية. ومع ذلك، قرر أن يتخلى عن هذا المنصب الحكومي ليكرس نفسه بشكل كامل للكتابة وتحقيق الاستقلال الفكري. في هذا السياق، سار على خطى سلفه نجيب فاضل، متبنيًا مسار النشاط الفكري والأدبي.
في عصر الكساد الكبير، شهدت طفولة سيزائي قاراقوج تحديات عميقة واجهت الشعب التركي، حيث ارتسمت بوضوح الصعوبات الاقتصادية وتنفيذ سياسات التغريب والعلمنة الراديكالية خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات. بصفته مراقبًا حادًا لمحيطه، وثّق قاراقوج بعناية فائقة تطورات عصره.
قام بتدوين ذكرياته بعناية فائقة، مستعرضًا تفاصيل المرحلة الأولى من حياته، لكنه، للأسف، تركها غير مكتملة. تناولت مقالاته مجموعة متنوعة من القضايا ذات الأهمية السياسية والاجتماعية عبر فترات مختلفة، حيث قام بتوثيق مرحلة انتقال تركيا من حكم حزب واحد إلى دولة ديمقراطية. ضمت تحاليله تطورات سياسية داخلية وشؤون دولية. يُلاحظ أنه وصف غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 بأنه «اندلاع صامت للحرب العالمية الثالثة“.
سيزائي قاراقوج معروف بشعره ذي الأسلوب الحر، حيث كتب عشرة مجلدات من القصائد التي تتناول الفضائل والحب والمدن. نُشرت قصيدته الأولى في مجلة «حصار» في عام 1951. وقد تنوعت مشاركاته في العديد من المجلات المختلفة، وتولى تحرير مجلة «شعر سناتي (فن الشعر)» في عام 1955 وأصبح واحدًا من أبرز الشعراء في جيله بفضل تخيّلاته الفريدة والمحتوى الصوفي والإسلامي الذي يتضمنه شعره. انتشرت قصيدته بعنوان «مونا روزا» (الوردة الوحيدة) على نطاق واسع وبشكل كبير، ورغم ذلك، لم يدّعِي الشاعر الفخر الذاتي والاعتزاز بهذه القصيدة. ومن بين أعماله المؤثرة، أصبحت قصيدته حول فلسطين بعنوان «يا يهودي» مشهورة، إذ كتبها كرد على حرق يهودي متعصب للمسجد الأقصى في عام 1969، مُكرّرًا فيها التعبير 24 مرة. «أخيرًا، حرقتَ مسجد الأقصى، يا يهودي، تمامًا كما حرقتَ روح الإنسانية لقرون...“.
مشابهًا لنجيب فاضل، كتب قاراقوج في مجموعة متنوعة من الأدب، بما في ذلك كتابان للقصص، وثلاثة كتب مقالية، ومسرحيتان، ووثائقي واحد، وثلاثة كتب بحثية. والأهم من ذلك كان سعيه في إحياء الحضارة الإسلامية (أو النهضة) من خلال الإصلاح، حيث كتب 13 كتابًا فكريًا: «إحياء الروح»، «لقاح اليوم الأخير»، «الزمن والإلهام 1-4»، «إحياء الإنسانية»، «عقيدة جيل النهضة»، «الجنة المفقودة»، «إحياء الإسلام»، «تغيير الموسم»، «آمال النهضة»، «الإسلام»، «الهيكل الاقتصادي للمجتمع الإسلامي»، «أفكار 1-2».
أسهم قاراقوج بشكل كبير في توجيه المجتمع التركي وفقًا للحضارة الإسلامية. بالنسبة له، يجب أن تبدأ النهضة من الداخل من خلال الإصلاح وبناء مجتمع أخلاقي وسياسي. كانت نظريته وأعماله مجسدة حول فكرة النهضة في إطار المجلة الفكرية «الدعوة». بدأت تُنشر بشكل دوري (غالبًا شهريًا وأحيانًا أسبوعيًا ومرتين في الأسبوع) مع بعض الانقطاعات بسبب الصعوبات الاقتصادية. كانت رؤيته مركزة على النهضة الحضارية وحول إرث الدولة العثمانية. شملت المجلة العديد من القضايا من الأخلاق الإسلامية إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والعالم الإسلامي. كما شملت أيضًا أشكالًا متنوعة من الفنون مثل السينما وترجمات لأفكار فكرية غربية وإسلامية.
أصبحت المجلة منبرًا حيويًا لظهور كتّاب إسلاميين بارزين مثل راسم أزدنورين، وجاهد ظريف اوغلو، ونوري باكديل، وأردم بايازيت، وإسميت أوزيل في تركيا الحديثة. كمحطة هامة في التفكير الإسلامي في تركيا، بل قام سيزائي كاراكوج بتأسيس حزب سياسي حتى في أوائل التسعينيات تحت اسم «الدعوة». ومع ذلك، على الرغم من أهميتها الفكرية، لم يتحول رأس المال الفكري إلى قوة سياسية وانحل بشكل تلقائي.
مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، حصل سيزائي قاراقوج على العديد من الجوائز القيمة تقديرًا لإسهاماته الفنية والفكرية. ومن الجدير بالذكر أنه، وفقًا لنمط حياته المتواضع، اختار عدم استلام هذه الجوائز شخصيًا. يحظى قاراقوج باحترام كبير نظرًا لرفضه الثابت للسعي إلى مناصب رسمية أو طلب الدعم من الدولة. حيث تتجلى تلك المواقف في تأثيره العميق على الساحتين الأدبية والسياسية في تركيا.
انقلاب 1980 وآثاره طويلة المدى على تركيا
شهدت تركيا التي كانت جزءًا من المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة، حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي الحاد خلال... اقرأ المزيد
303
| 28 سبتمبر 2026
عودة أصالة إلى سوريا
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا، تمثّل في عودة الفنانة السورية الشهيرة أصالة نصري إلى بلادها... اقرأ المزيد
927
| 21 سبتمبر 2026
ربع قرن على 11 سبتمبر..
شكَّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحوّل أساسية في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إذ أطلقت ما عُرف... اقرأ المزيد
519
| 14 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2550
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2334
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026