رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. أحمد أويصال

أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
 

مساحة إعلانية

مقالات

255

أ.د. أحمد أويصال

انقلاب 1980 وآثاره طويلة المدى على تركيا

28 سبتمبر 2026 , 12:00ص

شهدت تركيا التي كانت جزءًا من المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة، حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي الحاد خلال سبعينيات القرن العشرين. وكان الجيش قد تدخل بصورة غير مباشرة في الحياة السياسية عام 1971 على انقلاب 1960، مما أدى إلى سقوط الحكومة، في حين أسهمت الصراعات الأيديولوجية الداخلية، وتداعيات أزمة النفط، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فُرضت على تركيا عقب تدخلها في قبرص، في تعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية. وفي ظل استمرار حالة عدم الاستقرار، نفذ الجيش انقلاب 1980 بهدف إعادة تنظيم المشهد السياسي ومؤسسات الدولة الكامل، وهو ما جعل هذا الانقلاب يمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ تركيا المعاصر.

ذكر رئيس الأركان كنعان أفرين، الذي قاد الانقلاب العسكري، أنهم كانوا ينتظرون تصاعد حالة الفوضى في البلاد وتهيؤ الظروف المناسبة للتدخل العسكري. كما روي لاحقًا أن رئيسًا سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية علّق على انقلاب 12 سبتمبر 1980 بالقول: «رجالنا فعلوها». ولم يكن هذا الانقلاب منفصلًا عن التطورات الإقليمية في الشرق الأوسط؛ فقد تزامن مع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، والثورة الإسلامية في إيران عام 1979، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، إلى جانب الاحتلال السوفيتي في أفغانستان عام 1979. وفي ظل خروج إيران من الفلك الأمريكي، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لتركيا بالنسبة إلى الغرب، ولم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها يرغبون في انتقالها إلى المعسكر السوفيتي.

الانقلاب جاء على أثر الاستقطاب السياسي المتصاعد، والاشتباكات في الشوارع، والمشكلات الاقتصادية، وأزمات تشكيل الحكومات، إلى جانب أزمة انتخاب رئيس للجمهورية، في تعميق حالة عدم الاستقرار. ومع وقوع الانقلاب، جرى حل البرلمان والحكومة، وتعليق الأنشطة السياسية، وقطع المسار الديمقراطي، الأمر الذي أحدث تحولًا دائمًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع. كما أُغلقت الأحزاب السياسية، وفُرضت قيود وحظر سياسي على عدد من أبرز القيادات، وتوقفت آليات التمثيل الديمقراطي لفترة من الزمن. ترك انقلاب عام 1980 آثارًا عميقة وطويلة الأمد على النظام السياسي في تركيا، والمنظومة القانونية، والبنية الاجتماعية، والسياسات الاقتصادية.

أدى تهميش القيادات السياسية من طرف الجيش، بغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها، إلى تعاطف شرائح من المجتمع معها ودعم عودتها إلى الساحة السياسية. وهكذا، قطع الانقلاب من جهة مسار تراكم التجربة السياسية، بينما حدّت عودة الزعامات القديمة من جهة أخرى من فرص التجدد وظهور أجيال سياسية جديدة. ورغم انسحاب الجيش رسميًا من الحكم بعد نحو ثلاث سنوات، فقد استمر تأثيره من خلال منظومة الوصاية العسكرية، ولا سيما عبر مجلس الأمن القومي، بما أضعف التوازن بين المؤسسات المدنية والعسكرية. كما عزز دستور 1982 السلطة التنفيذية، وضيّق نطاق الحقوق والحريات الأساسية، وأعطى أولوية أكبر لسلطة الدولة، مقابل إسهامه في توفير قدر أكبر من الاستقرار السياسي والمؤسسي.

على المستوى الانساني، شهدت مرحلة ما بعد الانقلاب موجة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات، وترافقت مع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان شملت التعذيب، وطول فترات الاحتجاز، وتنفيذ أحكام الإعدام. كما فُرضت قيود مشددة على النقابات والجمعيات والمنظمات المهنية والطلابية، إلى جانب تشديد الرقابة على الصحافة والنشر والإنتاج الثقافي، وحظر عدد كبير من الكتب والصحف والأعمال الفنية. وقد أدى هذا المناخ إلى تراجع المشاركة السياسية، وانتشار الرقابة والحذر من مؤسسات الدولة، فيما ظلت آثار الخوف والصدمة التي خلّفها الانقلاب حاضرة في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة.

على الصعيد الاقتصادي، عززت مرحلة ما بعد الانقلاب توجه تركيا من الاقتصاد المختلط الى الانفتاح والسوق الحرة، وهو المسار الذي بدأ مع قرارات 24 يناير 1980. وتسارع الانتقال من نموذج إحلال الواردات إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على التصدير والقطاع الخاص، مع تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتوسيع التحرير المالي. وساعدت هذه التحولات على زيادة اندماج الاقتصاد التركي في الأسواق العالمية وتنمية الصادرات، لكنها ترافقت في الوقت نفسه مع قيود على العمل النقابي، مما أدى إلى تراجع القوة التفاوضية للعمال.

كرّس دستور عام 1982 الذي صاغته السلطة العسكرية، مفهومًا يعطي الأولوية لسلطة الدولة على حساب المجتمع، وظل تأثيره حاضرًا رغم التعديلات العديدة التي أُدخلت عليه لاحقًا. كما عززت المرحلة الجديدة في النظام التعليمي قيم الانضباط والرقابة المركزية والتمسك بالأيديولوجيا الرسمية، وهو ما انعكس على تكوين الأجيال الشابة. وفي انتخابات عام 1983، اختار الناخبون تورغوط أوزال السياسي المدني رغم توجيهات الرئيس ذي الخلفية العسكرية، لتبدأ تدريجيًا مرحلة من التراجع النسبي للهيمنة العسكرية. وبصورة عامة، مثّل انقلاب 1980، إلى جانب أبعاده الخارجية، نقطة تحول عميقة تركت آثارًا طويلة الأمد على السياسة والاقتصاد والمجتمع في تركيا.

مساحة إعلانية