رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حصة الفهيدة

مساحة إعلانية

مقالات

312

حصة الفهيدة

المحن.. حين تُخفي المنح في طياتها

21 مارس 2026 , 03:31ص

ليست المحن في حياة الإنسان والأمم مجرد لحظات ألم عابرة، بل هي في كثير من الأحيان بوابات خفية إلى منح عظيمة، قد لا تُدرك حقيقتها إلا بعد انقشاع غبارها. فكم من شدة ظنها الناس نهاية الطريق، فإذا بها بداية لمرحلة جديدة من القوة والنضج والحكمة.

إن سنة الابتلاء ماضية في حياة البشر، وقد دلّ القرآن الكريم على أن العسر لا ينفك عن اليسر، وأن وراء الضيق فرجًا، قال تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5–6)

وفي هذه الآية إشارة بليغة إلى أن العسر لا يأتي منفردًا، بل يصاحبه اليسر ويلازمه، وكأن الفرج يسير إلى جوار الشدة خطوة بخطوة.

كما أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.

فالمؤمن ينظر إلى المحنة بعين مختلفة؛ فهي عنده امتحان يورث الصبر، ومدرسة تثمر الحكمة، وطريق إلى خير قد لا يراه في لحظته.

وإذا تأملنا في سنن الحياة وجدنا أن المحن، بنيرانها، تصقل معادن البشر كما تصقل النار الذهب والفضة، فتُظهر صفاءها وتزيل عنها ما علق بها من شوائب. ففي أوقات الرخاء قد تخفى حقائق النفوس، أما في أوقات الشدة فتتكشف معادن الناس، ويظهر الصادق في عطائه، والثابت في مواقفه، والحكيم في قراراته.

كما أن الأزمات تكشف دروسًا لم نكن قد التفتنا إليها من قبل، وتدفع إلى مراجعة الخطط والاستعدادات التي أهملناها أو لم نضعها في الحسبان. ومن هنا تتحول المحنة إلى مدرسة كبرى للتعلم، وإلى لحظة مراجعة تعيد ترتيب الأولويات، وتدفع المجتمعات إلى تطوير رؤيتها للمستقبل. ولا تقف آثار هذه الدروس عند جانب واحد، بل تمتد إلى مختلف المستويات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والحقوقية. فالأزمات تكشف جوانب القصور في الأنظمة والسياسات، كما تُبرز في الوقت ذاته قيم التضامن والتكافل الإنساني، وتدفع المجتمعات إلى البحث عن حلول أكثر حكمة واستدامة.

ويشهد التاريخ على أن كثيرًا من التحولات العظيمة وُلدت من رحم المحن. فالهجرة النبوية، التي كانت في ظاهرها خروجًا من أرضٍ أحبّها النبي ﷺ وأصحابه بسبب الأذى والاضطهاد، تحولت إلى بداية تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى الآفاق.

كما يقدم التاريخ الإنساني مثالًا واضحًا على قدرة الشعوب على النهوض بعد الكوارث؛ فمدينة هيروشيما اليابانية التي دُمّرت بالقنبلة الذرية عام 1945، وخلفت وراءها دمارًا هائلًا وآلاف الضحايا، لم تبقَ أسيرة المأساة. بل استطاع الشعب الياباني أن يحول تلك الكارثة إلى دافع لإعادة البناء والنهوض، حتى أصبحت اليابان بعد عقود قليلة واحدة من أكثر الدول تقدمًا في مجالات الصناعة والتقنية والتعليم، في مشهد يؤكد أن الشعوب التي تتعلم من محنها تستطيع أن تصنع مستقبلًا أكثر قوة وإشراقًا.

ولهذا تبقى الحكمة أن المحن ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من الوعي والقوة. 

وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216)

وكذلك توضح أبيات للشافعي (رحمه لله)

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بِها الفَتى... ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ

ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها... فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

كما تبعث كلمات قيادتنا الأمل في النفوس وترسّخ الثقة بالمستقبل حين قال:

«أبشروا بالعز والخير».

فبين حكمة الوحي ثم بشائر القيادة يبقى الأمل حاضرًا، وتظل المحن ـ مهما اشتدت ـ طريقًا إلى منح أعظم، ومستقبل أكثر إشراقًا.

همسة:

الوطن ليس أرضًا فحسب، بل هو أمان وكرامة وهوية، ونعمة لا تعوَّض، لذلك فإن الحفاظ عليه والوقوف صفًا واحدًا خلف قيادته واجب في أوقات الشدة والرخاء، حتى تبقى الأوطان شامخة بعزها وخيرها.

اقرأ المزيد

alsharq اللهم أخرجنا منها سالمين

أحدثكم اليوم من مكتبي وقد عدنا إلى مقار أعمالنا بعد أن أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عودة العمل... اقرأ المزيد

39

| 24 مارس 2026

alsharq إلى أين تتجه منطقة الخليج؟

في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبرز تساؤلات مهمة حول طبيعة التحركات الأخيرة وانعكاساتها على أمن الخليج واستقرار المنطقة... اقرأ المزيد

39

| 24 مارس 2026

alsharq التنوع الإعلامي واتصال الأزمات

الاتصال في الأزمات يحمل خصائص أكبر من مرسل ومستقبِل ورسالة فقط، بل هناك مكوّنات مهمة أيضاً تُضاف إلى... اقرأ المزيد

42

| 24 مارس 2026

مساحة إعلانية