رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المقصود بالأجنبي هو كل فرد يوجد في دولة لا يكون من رعاياها، والأجنبي هو كل فرد لا تتوافر فيه الشروط اللازمة للتمتع بجنسية الدولة.
وفقاً لقانون الجنسية القطرية فإن الأجنبي هو كل من لا يتمتع بالجنسية القطرية، وينقسم سكان أي دولة حديثة إلى طائفتين الأولى تضم الأفراد الذين تربطهم بالدولة رابطة قانونية وسياسية يعبر عنها بالجنسية، وهؤلاء هم المواطنون، والطائفة الثانية تضم مجموعة الأفراد الذين يتواجدون على إقليم الدولة بقصد الإقامة المؤقتة التي قد تمتد مددا طويلة دون أن يكتسبوا جنسية هذه الدولة، ولكنهم فقط يقيمون ويتواجدون على إقليمها ابتغاء العمل في المصالح العامة أو المؤسسات الخاصة التجارية والصناعية أو مباشرة مهن حرة، ويدخل ضمن هذه الطائفة الأفراد الذين يوجدون على إقليم الدولة بقصد الإقامة العابرة مثل السياح والزائرين لفترات قصيرة، وهؤلاء هم الأجانب سواء أكانوا من الأفراد أو من الأشخاص المعنوية مثل الشركات والمكاتب الدولية والبنوك الأجنبية وغيرها.
من هنا فإن سكان الدولة يتكونون من شعبها والذين يطلق عليهم وصف رعايا الدولة أو الوطنيين والذين يرتبطون بها برابطة الولاء، وكذلك من أشخاص آخرين لا ينتسبون إلى الدولة ولا تربطهم بها سوى رابطة الإقامة على هذا الإقليم، وهم من يطلق عليهم وصف الأجانب أو الوافدين.
وتقسيم السكان إلى وطنيين وأجانب له أهميته البالغة من ناحية مدى الحقوق التي يتمتع بها كل من الوطني والأجنبي على إقليم الدولة والأعباء التي تفرض عليه، فممارسة الحقوق السياسية محظور على الأجانب، إذ تقصر الدول عامة هذه الحقوق على الوطنيين باعتبارها تنطوي على المشاركة في حكم الجماعة الوطنية ومن ثم تتصل بكيان الدولة السياسي، وقد قصرت معظم التشريعات حق الانتخاب والترشيح على الوطنيين، كما قصرت تولي الوظائف العامة على الوطنيين، إذ لا يجوز بصفة عامة في غالبية التشريعات العربية والمقارنة تولي الوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية إلى أجنبي إلا في أحوال استثنائية إذا ثبت أنه لا يوجد مواطن يستطيع القيام بتولي هذه الوظيفة، إذ الأولوية دائماً بالنسبة لتقلد الوظائف العامة للوطنيين، أو في حالة ما إذا ثبت أن الوظيفة تتطلب مؤهلات علمية أو عملية خاصة لا تتوافر في الوطنيين، كما أن احتراف بعض المهن لا يسمح به للأجانب أو يحاط بالنسبة لهم ببعض القيود، وتملك العقارات قد يقصر على رعايا الدولة ويحرم منه الأجانب وفقاً لضوابط معينة.
من هنا فإن من حق جميع الدول بصفة عامة ألا تسمح للأجانب الوافدين إلى الدولة بالإقامة على أراضيها سوى لمدة معينة يتوقف تحديدها على سلطة الدولة التقديرية ومن حقها أن تحرم الأجانب من ممارسة نواح معينة من النشاط الاقتصادي والمهني.
وبالطبع فإن الدول لم تغفل مدى حاجتها في عصرنا الحالي – عصر العولمة- إلى اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية لتدعيم اقتصادياتها الوطنية فعمدت إلى تيسير دخول رؤوس الأموال الأجنبية ، وعقد الاتفاقيات الدولية لتلافي الازدواج الضريبي الذي قد يحد من انتقال رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدولة وهذا ما سارت على نهجه دولة قطر إذ صدر القانون رقم (13) لسنة 2000 بتنظيم استثمار رأس المال الأجنبي في النشاط الاقتصادي.
لقد فرض التعاون الاقتصادي الواسع بين جميع الدول، واطراد التجارة الدولية وتعدد وسائل الاتصال الحديثة ضرورة تدفق رؤوس الأموال، وبالتالي حرية الأفراد بالتنقل بين جميع قارات الأرض بما فرض على جميع الدول تيسير دخول الأجانب وخروجهم وتنقلهم.
ومن المتفق عليه أنه من الطبيعي أن يتميز رعايا كل دولة في دولتهم عن الأجانب فهم فضلاً عن كونهم عنصر دولتهم الأول يتحملون في سبيلها من الأعباء ما لا يتحمله الأجانب فإنهم الملتزمون دائماً بالمحافظة على كيانها وسلامتها والعمل على تقدمها ورفاهيتها وولاؤهم يفرض عليهم تلبية كل نداء للدفاع عنها ومن بينهم وحدهم تجند الدولة القوات اللازمة لهذا الدفاع، ذلك أن تكليف الأجنبي ببذل دمائه في سبيل الدولة التي يقيم فيها يتنافى مع انتمائه إلى دولة أجنبية ويتعارض مع رابطة الولاء التي تربط بينه وبين الدولة التي يتمتع بجنسيتها.
والقاعدة العامة هي أن حقوق الوطني تجاوز كثيراً الحقوق التي يلزم الاعتراف بها للأجنبي من جانب الدولة التي يقيم على إقليمها، ولا اعتراض على ذلك في القانون الدولي العام.
والأصل أن علاقة كل دولة بالأفراد المقيمين في إقليمها سواء كانوا من رعاياها أو من الأجانب تخضع لقانون الدولة الوطني، على اعتبار أن تنظيم هذه العلاقة وما يتصل بها من حقوق وواجبات مظهر من مظاهر السيادة التي تنفرد بها كل دولة على إقليمها، وأكد الدستور القطري على وجوب احترام الدستور والامتثال للقوانين الصادرة عن السلطة العامة، والالتزام بالنظام العام والآداب العامة، ومراعاة التقاليد الوطنية، والأعراف المستقرة، واجب على جميع من يسكن دولة قطر أو يحل بإقليمها (المادة 57)، ذلك أن القوانين وضعت لكي يصدع الناس بأحكامها ويمتثلون لأوامرها وهم إن لم يفعلوا ذلك طوعاً، فعلوه جبراً بواسطة السلطة التي تملكها الدولة ... والنظام العام والآداب العامة والأعراف المستقرة والتقاليد المرعية كلها تكون جزءاً من النسيج الوطني والاجتماعي، وتكون منظومة يتعين مراعاتها والحرص عليها من كل مواطن قطري، ومن كل من يعيش على أرض قطر، حتى ولو لم يكن من مواطنيها، بل إن العابرين المارين العارضين هم أيضاً يلتزمون بكل ما تقدم.
صفوة القول أنه على الأجانب الوافدين ضرورة مراعاة القوانين النافذة في الدولة التي يقيمون أو يوجدون فيها ويحترمون عادات وتقاليد شعب هذه الدولة.
وبالنظر إلى تطور العلاقات والاتجاهات الدولية بالاهتمام الواسع بمبادئ حقوق الإنسان، وتنمية العلاقات الودية بين شعوب الأمم المتحدة أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان المتعلق بحقوق الأفراد الذين ليسوا من مواطني البلد الذي يعيشون فيه وقد أكد هذا الإعلان على أحقية الدولة في إصدار قوانين وأنظمة تتعلق بدخول الأجانب وأحكام وشروط إقامتهم، وحقها في وضع تفرقة بين المواطنين رعايا الدولة وغيرهم من الأجانب، على أن تكون هذه القوانين والأنظمة متفقة مع الالتزامات القانونية الدولية لهذه الدولة بما في ذلك التزاماتها في مجال حقوق الإنسان. كما أن هذا الإعلان الموافق عليه من الجمعية العامة لا يمس بالحقوق التي يمنحها القانون المحلي وبالحقوق التي تلزم دولة ما بمنحها للأجانب حتى ولو كان هذا الإعلان لا يعترف بتلك الحقوق أو يعترف بها بدرجة أقل.
وأوجبت المادة الرابعة من هذا الإعلان على الأجانب المقيمين في دولة غير دولتهم ضرورة مراعاة القوانين النافذة في الدولة التي يقيمون أو يوجدون فيها ويحترمون عادات وتقاليد شعب هذه الدولة.
ووفقاً لهذا الإعلان فإن الحقوق التي يتمتع بها الأجانب على وجه الخصوص هي الحق في الحياة، والأمن الشخصي، وألا يتعرض أي أجنبي للاعتقال أو الاحتجاز على نحو تعسفي، ولا يحرم أي أجنبي من حريته إلا بناء على الأسباب المحددة في القانون، ووفقاً للإجراءات الواردة فيه، ويتمتعون أيضاً بالحق في الحماية من التدخل التعسفي أو غير القانوني في الخصوصيات أو العائلة أو السكن أو المراسلات وأيضاً الحق في المساواة أمام المحاكم بأنواعها وأمام سائر الهيئات والسلطات المختصة بإقامة العدل، والحق عند الضرورة في الاستعانة مجاناً بمترجم شفوي في الإجراءات القضائية والإجراءات الأخرى التي ينص عليها القانون وللأجانب الحق في حرية الرأي والفكر والضمير والدين ولا يخضع الحق في الجهر بدينهم أو معتقداتهم إلا للقيود التي ينص عليها القانون والتي تكون ضرورية لحماية الأمن العام أو النظام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية، والحق في الاحتفاظ بلغتهم وثقافتهم وتقاليدهم، ولهم الحق في تحويل المكاسب والمدخرات أو غيرها من الأصول النقدية الشخصية إلى الخارج، مع مراعاة أنظمة النقد المحلية.
وفي رأينا أن جميع الدول أصبحت ملزمة في عصرنا الحالي والذي يعتبر بحق عصر حقوق الإنسان والحريات الأساسية بلا تمييز بين بني البشر واحترام هذه الحقوق وعلى هذه الدول بوصفها عضواً في الإنسانية أن تعترف للأجانب المقيمين على أراضيها بحق ممارسة الحقوق والحريات الخاصة التي يتطلبها كيانهم الإنساني وكفالة حريتهم الفردية وأمنهم الشخصي وأن تكفل للأجنبي حرية العقيدة والحق في ممارسة الشعائر كل ذلك في الحدود التي لا تتنافى مع النظام العام في الدولة المضيفة.
وقد أكد الدستور القطري في المادة 35 على أن جميع المقيمين على إقليم الدولة متساوون أمام القانون لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين . وقد ساوى الدستور القطري بين الناس جميعاً في الحرية الشخصية وفي الكرامة الإنسانية وفي عدم جواز القبض عليهم أو حبسهم أو تفتيشهم أو غير ذلك من مقيدات الحرية إلا وفق أحكام القانون.
حق الدولة في إبعاد الأجنبي:
الإبعاد هو تكليف الشخص بمغادرة الإقليم أو إخراجه منه بغير رضاه.
ويستند حق الدولة في ذلك إلى حقها في حفظ أمنها وكيانها وصيانة النفس.
والدولة مثلما من حقها أن تمنع أي شخص من دخول أراضيها لها كذلك أن تبعد أي أجنبي يكون في وجوده خطر عليها.
والإبعاد عن الدولة لا يتناول إلا الأجانب، أما المواطنون فلا يجوز إبعادهم، وهذا ما قرره الدستور القطري في المادة (38) من أنه ( لا يجوز إبعاد أي مواطن عن البلاد أو منعه من العودة إليها. )
ويتعين في حالة ما إذا قررت الدولة إبعاد أي أجنبي ألا تتعسف في هذا وتراعي حسن النية في تطبيق الإجراء.
والإبعاد لا يعتبر عقوبة وإنما هو إجراء من إجراءات الأمن الهدف منه بالدرجة الأولى دفع ضرر الأجنبي الذي يعتبر بقاؤه في الدولة خطراً على سلامتها أو أمنها.
ويصدر أمر الإبعاد من وزير الداخلية، إذ إنه وفقاً لنص المادة 37 من القانون رقم (4) لسنة 2009 بتنظيم دخول وخروج الوافدين، للوزير أن يصدر أمراً بترحيل أي وافد يثبت أن في وجوده في الدولة ما يهدد أمنها أو سلامتها في الداخل أو الخارج أو يضر بالاقتصاد الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وقد تضمن قانون العقوبات القطري في المادة ( 65 ) عقوبة إبعاد الأجنبي من البلاد في حالة ارتكابه جناية أو جنحة طبقاً لقانون العقوبات إذ نصت المادة (77) على أنه مع عدم الإخلال بحق الجهات الإدارية المختصة في إبعاد أي أجنبي وفقاً للقانون، يجوز للمحكمة إذا حكمت على الأجنبي بعقوبة مقيدة للحرية في جناية أو جنحة، أن تحكم بإبعاده عن الدولة بعد الانتهاء من تنفيذ العقوبة.
فإذا كان الحكم بعقوبة على الوجه المبين في الفقرة السابقة صادراً في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة وجب على المحكمة أن تحكم بإبعاد الأجنبي عن الدولة بعد الانتهاء من تنفيذ العقوبة أو سقوطها.
ويجوز أيضاً للمحكمة في مواد الجنح أن تحكم بإبعاد الأجنبي عن البلاد بدلاً من الحكم عليه بالعقوبة المقررة للجنحة.
ويجوز لوزير الداخلية عند الضرورة توقيف الوافد الذي صدر حكم قضائي بإبعاده أو أمر بترحيله من البلاد لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أخرى مماثلة.
ويجوز للوزير أن يفرض على الوافد الذي صدر حكم قضائي بإبعاده أو أمر بترحيله وتعذر تنفيذه، الإقامة في جهة معينة لمدة أسبوعين قابلة للتجديد بدلاً من توقيفه لمدة أو مدد أخرى مماثلة.
وعلى الوافد أن يتقدم إلى الإدارة الأمنية التي تقع هذه الجهة في دائرتها في المواعيد التي يحددها الأمر الصادر في هذا الشأن، وذلك إلى حين إبعاده وترحيله.
ولا يجوز للوافد الذي صدر حكم قضائي بإبعاده أو أمر بخروجه أو ترحيله، العودة إلى الدولة إلا بقرار من الوزير.
ويغادر الوافد الدولة إذا لم يحصل على ترخيص بالإقامة أو إذا انتهى هذا الترخيص، ويجوز له العودة إذا توافرت فيه الشروط اللازمة للدخول، وفقاً لأحكام هذا القانون.
ويجوز للوزير أو من ينيبه، أن يمنح الوافد الذي صدر أمر بترحيله أو خروجه، وله مصلحة في الدولة تقتضي وقتاً لتصفيتها، مهلة لا تجاوز تسعين يوماً قابلة للتجديد بشرط تقديم كفالة مقبولة.
نخلص من جميع ما سبق إلى أنه إذا سمحت الدولة للأجنبي بالدخول إلى إقليمها فإنه يتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها الفرد في علاقته بالجماعة التي يعيش فيها وهذه الحقوق تتفرع عن وجوب احترام كيان الفرد الإنساني كما تقوم على ضرورة توفير الأسباب اللازمة لمعيشته بإقليم الدولة على النحو الذي سبق بيانه.
وبالمقابل فإن الدولة تملك بما لها من حق في سلامتها وأمنها أن تضع على حقوق الأجنبي في هذا الصدد كافة القيود اللازمة لحماية كيانها السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.
الازدحام المروري إلى أين؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تشير الإحصائيات الصادرة من الجهات الرسمية إلى أن معدلات تسجيل المركبات الخاصة (خصوصي)... اقرأ المزيد
6823
| 12 يناير 2015
حول نظام كفالة إقامة الوافدين في الدولة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في الآونة الأخيرة زادت مطالب بعض الجهات الدولية بإلغاء نظام كفالة الأجانب المعمول... اقرأ المزيد
11879
| 14 أبريل 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4899
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026