رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

1041

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

هل تغيّر الناس أم تغيّر المشهد؟

21 مايو 2025 , 02:00ص

في زحمة التحولات الاجتماعية وسرعة الإيقاع العصري، يبرز الزواج كمرآة صادقة تعكس عمق التغيّر في مفاهيمنا وقيمنا وتوقعاتنا من الحياة والشراكة. لم يعد السؤال عن الزواج محصورًا في “متى؟” و”من؟”، بل امتد ليشمل “لماذا؟” و”إلى أين؟”. في هذا المقال محاولة للتأمل في هذا التحوّل، وفهم أسبابه وتجلياته، واستيعاب ما استجد في معادلةٍ كانت يومًا ما بسيطة، وأصبحت اليوم أكثر تعقيدًا.

فالزواج ليس مجرد عقدٍ بين شخصين، بل انعكاسٌ عميق لتحولات المجتمع، وتعبيرٌ دقيق عن رؤيته للحياة والعلاقات، والدور بين الرجل والمرأة، فما بين زمنٍ كان فيه الزواج نافذةً إلى أملٍ أوسع، ومساحةً للعبور من الضيق إلى الرحابة، وبين زمنٍ تداخلت فيه الوفرة مع التردد، وارتبكت فيه القلوب رغم اتساع الخيارات. تتغيّر الحكايات وتبقى الأسئلة معلّقة، هل تغيّر الناس حقًا؟ أم أن ما تغيّر هو الإحساس بقيمة الأشياء حين باتت ميسّرة؟

قبل ثلاثة عقود أو أكثر، كانت الفتاة ترى في الزواج بابًا مشرعًا إلى عالم أوسع من عالمها الضيق في بيت أسرتها الصغيرة، كانت معظم البيوت متواضعةً ودخل الأسرة محدودًا، وأحيانًا كانت الأسرة تقتسم غرفتين لا غير، حينها كان الزواج بمثابة ترقية اجتماعية واقتصادية، تنتقل فيه الفتاة إلى بيتٍ جديد، وزوجٍ ينفق عليها وحدها، فتشعر بأنها أصبحت ذات شأن، لذا كانت تتشبث بالخاطب، وتغضّ الطرف عن كثير من العيوب، وترى في الزواج حلمًا يستحق التضحية، وأن يُصان مهما كان الثمن، وفي المقابل كان الزوج يقدر ذلك ويشعر بقدسية العلاقة الممتدة بين الأسرتين ويتغاضى عن صغائر الأمور مقابل أن يحافظ على كيان أسرته وسعادتها.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد تمامًا، فلم تعد الفتاة تنتظر الزواج لتحظى بالفيلا الفاخرة والسيارة الفارهة والسفر والخدم والحشم، فهي في الغالب تسكن في فيلا أشبه بالقصر، وعندها كل وسائل الراحة، وربما تعمل وتتقاضى راتبًا لا يقل عن دخل الزوج، لذا لم يعد الزواج خلاصًا لها من حياة صعبة كما كان، بل ربما تنظر إليه على أنه بداية مسؤولية جديدة، وربما تقييد لحريتها، وهنا تصاب بالتردد والخوف، فإذا وافقت ففي الغالب بضغط من الأسرة واستجابةً لنظرة المجتمع، وذلك ينطبق على الرجل أيضًا، من هنا، ينبغي على الجميع إدراك هذا التغيّر الجوهري في المعادلة، وإدراك المعطيات الجديدة في المشهد الاجتماعي، والتعامل معها بحكمة وواقعية أكثر، وعلى الرجل أن يعلم أنه لم تعد وعود الاستقرار والرفاهية كافية وحدها لكسب قلب المرأة، هي بحاجة بأن تشعر بالأمان النفسي والاحترام، والشراكة لا التبعية، وأن فترة الخطوبة لم تعد مرحلة لإثبات ذات الرجل، ولا هي فترة للتحقيق والتقصي واصطياد الأخطاء من الجانبين، أو الوقوف عند الفروقات بين قناعاته وقناعاتها، أو وضع النقاط على الحروف، فكل تلك الفروقات في الغالب ستذوب وتتلاشى مع الوقت، إن فترة الخطوبة فرصة لإثبات النضج والقدرة على الحوار وتفهم الآخر، وإرسال رسائل الطمأنينة والإيجابية وسعة الأفق. كما ينبغي على الأسر أن تراجع نظرتها التقليدية للزواج، وألّا تضغط على أبنائها لدخول علاقات بلا قناعة، فالقبول المشروط أو المتردد لا يصمد طويلًا أمام أول هزة، فالزواج في جوهره ليس صفقة للهرب من واقع ولا قفصًا مذهبًا يُحبس فيه أحد، بل هو وطنٌ صغير، لا يُبنى إلا برغبة حقيقية من الطرفين في البقاء فيه طوعًا وصيانة أركانه.

مساحة إعلانية