رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سعدتُ كثيرًا أثناء زيارتي لمعرض الدوحة الدولي للكتاب لهذا العام، بأن أجد كتابًا مميزًا يحمل عنوان "الدبلوماسية الإنسانية القطرية: رؤية أخلاقية عربية إسلامية"، وذلك في جناح إحدى المكتبات التابعة لكاتب هذا العمل، السيد عبد العزيز البوهاشم السيد باحث قطري متخصص في التاريخ والعلاقات الدولية، حاصل على شهادات أكاديمية من جامعة قطر وجامعة لوسيل. شغل عدة مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، وله اهتمام كبير بالتراث والثقافة القطرية والخليجية. عُرف بشغفه بجمع الكتب والمقتنيات التراثية، وأسهم في توثيق ثقافة البادية والصقور، إضافة إلى مشاركته في الفعاليات والمعارض التراثية داخل قطر وخارجها.
وقد جذبني عنوان الكتاب منذ اللحظة الأولى لما يحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية تعكس صورة مشرقة عن الدور القطري في المجال الإنساني والدبلوماسي.
*يتناول الكتاب مفهوم الدبلوماسية الإنسانية القطرية بوصفها نموذجًا متميزًا في الاستجابة الإنسانية على الساحة الدولية، حيث تقوم على منظومة من القيم العربية والإسلامية التي تؤكد أهمية الكرامة الإنسانية والتعاون والإغاثة. كما يوضح الكاتب كيف استطاعت المؤسسات القطرية، مثل قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري وصندوق قطر للتنمية، أن تؤدي دورًا فاعلًا في تقديم المساعدات الإنسانية ومواجهة الأزمات والكوارث حول العالم.
ويبرز الكتاب أيضًا البعد الأخلاقي والسياسي لهذا الدور الإنساني، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد مساعدات عابرة، بل هو مسؤولية حضارية تسهم في بناء السلام وتعزيز التنمية المستدامة. كما يناقش التحديات التي تواجه الدبلوماسية الإنسانية في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية، مؤكدًا أهمية الشفافية والقيم الأخلاقية في تحقيق التأثير الإيجابي.
وفي ختام هذا العمل، يقدم الكاتب رؤية علمية وعملية تؤكد أن الدبلوماسية الإنسانية القطرية أصبحت نموذجًا يُحتذى به في العالم العربي والإسلامي، لما لها من أثر في خدمة الإنسان وصون كرامته وتعزيز قيم التضامن والتعايش بين الشعوب.
* يتكوّن هذا الكتاب من ثمانية فصول، يتناول كل فصل منها جانبًا مهمًا من جوانب الدبلوماسية الإنسانية القطرية، من حيث أبعادها الأخلاقية والقيمية، ودورها الإغاثي والإنساني، وتأثيرها في تعزيز السلام والتنمية وبناء صورة حضارية قائمة على مبادئ الرحمة والكرامة الإنسانية.
*يتناول الفصل الأول الإطار الأخلاقي والقيمي للدبلوماسية الإنسانية، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد استجابة طارئة للكوارث والأزمات، بل هو مسؤولية أخلاقية تعكس قيم الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية. ويؤكد الكاتب أن الدبلوماسية الإنسانية تقوم على مبادئ عربية وإسلامية أصيلة تُعلي من قيمة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الحسابات الضيقة، كما يناقش أهمية بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام والتعاطف والتعاون. ويبرز الفصل أن نجاح أي جهد إنساني يعتمد على التزامه بالقيم الأخلاقية، حتى لا يتحول العمل الإغاثي إلى مجرد أداة سياسية أو وسيلة لتحقيق المصالح والنفوذ (أي إلى بروباغندا).
* في الفصل الثاني يناقش الكاتب المبادئ التوجيهية للدبلوماسية الإنسانية، مركّزًا على قيم الحياد والاستقلال وعدم التحيّز بوصفها أسسًا أخلاقية تحكم العمل الإنساني المعاصر. ويوضح أن الدبلوماسية الإنسانية لم تعد مجرد وسيلة لتقديم المساعدات، بل أصبحت أداة تعزز العدالة والرحمة وتحفظ كرامة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الصراعات الدولية وتسعى لتحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم. كما يبرز الفصل أهمية التوازن بين الواجب الإنساني واحترام سيادة الدول والثقافات المحلية، مع التأكيد على ضرورة الشفافية والمسؤولية في إدارة الأزمات والكوارث. ويرى الكاتب أن نجاح العمل الإنساني يعتمد على الالتزام بمنظومة قيمية متكاملة تجعل المساعدات وسيلة لخدمة الإنسان لا أداة للنفوذ أو تحقيق المصالح الخفية.
* يتناول الفصل الثالث دور الزكاة والوقف باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تمويل العمل الإنساني بصورة أخلاقية ومستدامة، حيث يوضح الكاتب كيف استطاعت دولة قطر توظيف هذه الموارد في دعم الدبلوماسية الإنسانية والاستجابة السريعة للأزمات والكوارث. كما يبرز الفصل أهمية الزكاة بوصفها أداة تعزز قيم الرحمة والتكافل والتضامن الإنساني، وتسهم في دعم المحتاجين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم. وتتجلى هذه المعاني بصورة أكبر في العشر الأوائل من ذي الحجة، التي يُستحب فيها الإكثار من الزكاة والصدقات وأعمال الخير، لما تحمله من قيم إنسانية وأخلاقية تتوافق مع ما أكّد عليه الكتاب من أهمية حفظ كرامة الإنسان وترسيخ مبادئ العطاء والتعاون بين المجتمعات.
* يتطرق الفصل الرابع إلى تطور الدبلوماسية الإنسانية القطرية ودورها في تعزيز مكانة قطر الدولية من خلال العمل الإغاثي والوساطة الإنسانية. كما يوضح كيف اعتمدت قطر على مؤسساتها الإنسانية لتقديم الدعم للمناطق المتضررة، مع الالتزام بالقيم الأخلاقية والقانون الدولي الإنساني، مما جعلها نموذجًا مؤثرًا في مجال القوة الناعمة والعمل الإنساني.
* يركز الفصل الخامس على أبرز الفاعلين الرئيسيين في الدبلوماسية الإنسانية القطرية، موضحًا الدور المتكامل الذي تؤديه المؤسسات الحكومية والخيرية في إدارة العمل الإنساني. ويبرز الفصل مساهمة جهات مثل الهلال الأحمر القطري، وقطر الخيرية، وصندوق قطر للتنمية، ومؤسسة التعليم فوق الجميع، في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية ودعم المجتمعات المتضررة من الأزمات. كما يوضح الكاتب أن نجاح النموذج القطري يعود إلى قدرته على الجمع بين الاستجابة السريعة والتخطيط التنموي طويل المدى، إلى جانب اعتماده على الشراكات الدولية والشفافية والمرونة المؤسسية، مما عزز مكانة قطر كفاعل إنساني مؤثر على الساحة الدولية.
* يعرض الفصل السادس المبادرات القطرية في تعزيز الحماية الدولية من خلال تطوير مفهوم الدبلوماسية الإنسانية، حيث برزت قطر كوسيط إنساني فاعل عبر دعمها للمناطق المتضررة وبناء شراكات مع المنظمات الدولية، مع التركيز على حماية الإنسان وتعزيز الكرامة والاستقرار.
* أما الفصل السابع فيناقش التحديات التي تواجه الممارسة القطرية، مثل تسييس العمل الإنساني وصعوبات التنسيق والضغوط الإعلامية والقانونية، مع التأكيد على قدرة قطر على الموازنة بين المبادئ الإنسانية والمصالح السياسية، بما يعزز دورها كقوة ناعمة مؤثرة في الساحة الدولية.
* يقيّم الفصل الثامن الدبلوماسية الإنسانية القطرية من منظور أخلاقي وقيمي وقانوني، موضحًا اعتمادها على مبادئ النزاهة والشفافية واحترام السيادة مع الموازنة بين البعد الإنساني والمصالح السياسية، كما يبرز دورها في ترسيخ صورة قطر كفاعل إنساني مؤثر إقليميًا ودوليًا.
* أما الفصل الختامي فيعرض النتائج والتوصيات المستقبلية، مؤكدًا أن التجربة القطرية أصبحت نموذجًا يجمع بين القيم الأخلاقية والكفاءة المؤسسية، مع الدعوة إلى تطوير الشراكات الدولية، وتوظيف التكنولوجيا والحوكمة الرقمية، وتعزيز الاستدامة والشفافية لضمان استمرار الدور الإنساني القطري بفاعلية أكبر في مواجهة الأزمات العالمية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2112
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1596
| 10 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1569
| 04 يونيو 2026