رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سعدتُ كثيرًا أثناء زيارتي لمعرض الدوحة الدولي للكتاب لهذا العام، بأن أجد كتابًا مميزًا يحمل عنوان "الدبلوماسية الإنسانية القطرية: رؤية أخلاقية عربية إسلامية"، وذلك في جناح إحدى المكتبات التابعة لكاتب هذا العمل، السيد عبد العزيز البوهاشم السيد باحث قطري متخصص في التاريخ والعلاقات الدولية، حاصل على شهادات أكاديمية من جامعة قطر وجامعة لوسيل. شغل عدة مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، وله اهتمام كبير بالتراث والثقافة القطرية والخليجية. عُرف بشغفه بجمع الكتب والمقتنيات التراثية، وأسهم في توثيق ثقافة البادية والصقور، إضافة إلى مشاركته في الفعاليات والمعارض التراثية داخل قطر وخارجها.
وقد جذبني عنوان الكتاب منذ اللحظة الأولى لما يحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية تعكس صورة مشرقة عن الدور القطري في المجال الإنساني والدبلوماسي.
*يتناول الكتاب مفهوم الدبلوماسية الإنسانية القطرية بوصفها نموذجًا متميزًا في الاستجابة الإنسانية على الساحة الدولية، حيث تقوم على منظومة من القيم العربية والإسلامية التي تؤكد أهمية الكرامة الإنسانية والتعاون والإغاثة. كما يوضح الكاتب كيف استطاعت المؤسسات القطرية، مثل قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري وصندوق قطر للتنمية، أن تؤدي دورًا فاعلًا في تقديم المساعدات الإنسانية ومواجهة الأزمات والكوارث حول العالم.
ويبرز الكتاب أيضًا البعد الأخلاقي والسياسي لهذا الدور الإنساني، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد مساعدات عابرة، بل هو مسؤولية حضارية تسهم في بناء السلام وتعزيز التنمية المستدامة. كما يناقش التحديات التي تواجه الدبلوماسية الإنسانية في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية، مؤكدًا أهمية الشفافية والقيم الأخلاقية في تحقيق التأثير الإيجابي.
وفي ختام هذا العمل، يقدم الكاتب رؤية علمية وعملية تؤكد أن الدبلوماسية الإنسانية القطرية أصبحت نموذجًا يُحتذى به في العالم العربي والإسلامي، لما لها من أثر في خدمة الإنسان وصون كرامته وتعزيز قيم التضامن والتعايش بين الشعوب.
* يتكوّن هذا الكتاب من ثمانية فصول، يتناول كل فصل منها جانبًا مهمًا من جوانب الدبلوماسية الإنسانية القطرية، من حيث أبعادها الأخلاقية والقيمية، ودورها الإغاثي والإنساني، وتأثيرها في تعزيز السلام والتنمية وبناء صورة حضارية قائمة على مبادئ الرحمة والكرامة الإنسانية.
*يتناول الفصل الأول الإطار الأخلاقي والقيمي للدبلوماسية الإنسانية، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد استجابة طارئة للكوارث والأزمات، بل هو مسؤولية أخلاقية تعكس قيم الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية. ويؤكد الكاتب أن الدبلوماسية الإنسانية تقوم على مبادئ عربية وإسلامية أصيلة تُعلي من قيمة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الحسابات الضيقة، كما يناقش أهمية بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام والتعاطف والتعاون. ويبرز الفصل أن نجاح أي جهد إنساني يعتمد على التزامه بالقيم الأخلاقية، حتى لا يتحول العمل الإغاثي إلى مجرد أداة سياسية أو وسيلة لتحقيق المصالح والنفوذ (أي إلى بروباغندا).
* في الفصل الثاني يناقش الكاتب المبادئ التوجيهية للدبلوماسية الإنسانية، مركّزًا على قيم الحياد والاستقلال وعدم التحيّز بوصفها أسسًا أخلاقية تحكم العمل الإنساني المعاصر. ويوضح أن الدبلوماسية الإنسانية لم تعد مجرد وسيلة لتقديم المساعدات، بل أصبحت أداة تعزز العدالة والرحمة وتحفظ كرامة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الصراعات الدولية وتسعى لتحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم. كما يبرز الفصل أهمية التوازن بين الواجب الإنساني واحترام سيادة الدول والثقافات المحلية، مع التأكيد على ضرورة الشفافية والمسؤولية في إدارة الأزمات والكوارث. ويرى الكاتب أن نجاح العمل الإنساني يعتمد على الالتزام بمنظومة قيمية متكاملة تجعل المساعدات وسيلة لخدمة الإنسان لا أداة للنفوذ أو تحقيق المصالح الخفية.
* يتناول الفصل الثالث دور الزكاة والوقف باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تمويل العمل الإنساني بصورة أخلاقية ومستدامة، حيث يوضح الكاتب كيف استطاعت دولة قطر توظيف هذه الموارد في دعم الدبلوماسية الإنسانية والاستجابة السريعة للأزمات والكوارث. كما يبرز الفصل أهمية الزكاة بوصفها أداة تعزز قيم الرحمة والتكافل والتضامن الإنساني، وتسهم في دعم المحتاجين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم. وتتجلى هذه المعاني بصورة أكبر في العشر الأوائل من ذي الحجة، التي يُستحب فيها الإكثار من الزكاة والصدقات وأعمال الخير، لما تحمله من قيم إنسانية وأخلاقية تتوافق مع ما أكّد عليه الكتاب من أهمية حفظ كرامة الإنسان وترسيخ مبادئ العطاء والتعاون بين المجتمعات.
* يتطرق الفصل الرابع إلى تطور الدبلوماسية الإنسانية القطرية ودورها في تعزيز مكانة قطر الدولية من خلال العمل الإغاثي والوساطة الإنسانية. كما يوضح كيف اعتمدت قطر على مؤسساتها الإنسانية لتقديم الدعم للمناطق المتضررة، مع الالتزام بالقيم الأخلاقية والقانون الدولي الإنساني، مما جعلها نموذجًا مؤثرًا في مجال القوة الناعمة والعمل الإنساني.
* يركز الفصل الخامس على أبرز الفاعلين الرئيسيين في الدبلوماسية الإنسانية القطرية، موضحًا الدور المتكامل الذي تؤديه المؤسسات الحكومية والخيرية في إدارة العمل الإنساني. ويبرز الفصل مساهمة جهات مثل الهلال الأحمر القطري، وقطر الخيرية، وصندوق قطر للتنمية، ومؤسسة التعليم فوق الجميع، في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية ودعم المجتمعات المتضررة من الأزمات. كما يوضح الكاتب أن نجاح النموذج القطري يعود إلى قدرته على الجمع بين الاستجابة السريعة والتخطيط التنموي طويل المدى، إلى جانب اعتماده على الشراكات الدولية والشفافية والمرونة المؤسسية، مما عزز مكانة قطر كفاعل إنساني مؤثر على الساحة الدولية.
* يعرض الفصل السادس المبادرات القطرية في تعزيز الحماية الدولية من خلال تطوير مفهوم الدبلوماسية الإنسانية، حيث برزت قطر كوسيط إنساني فاعل عبر دعمها للمناطق المتضررة وبناء شراكات مع المنظمات الدولية، مع التركيز على حماية الإنسان وتعزيز الكرامة والاستقرار.
* أما الفصل السابع فيناقش التحديات التي تواجه الممارسة القطرية، مثل تسييس العمل الإنساني وصعوبات التنسيق والضغوط الإعلامية والقانونية، مع التأكيد على قدرة قطر على الموازنة بين المبادئ الإنسانية والمصالح السياسية، بما يعزز دورها كقوة ناعمة مؤثرة في الساحة الدولية.
* يقيّم الفصل الثامن الدبلوماسية الإنسانية القطرية من منظور أخلاقي وقيمي وقانوني، موضحًا اعتمادها على مبادئ النزاهة والشفافية واحترام السيادة مع الموازنة بين البعد الإنساني والمصالح السياسية، كما يبرز دورها في ترسيخ صورة قطر كفاعل إنساني مؤثر إقليميًا ودوليًا.
* أما الفصل الختامي فيعرض النتائج والتوصيات المستقبلية، مؤكدًا أن التجربة القطرية أصبحت نموذجًا يجمع بين القيم الأخلاقية والكفاءة المؤسسية، مع الدعوة إلى تطوير الشراكات الدولية، وتوظيف التكنولوجيا والحوكمة الرقمية، وتعزيز الاستدامة والشفافية لضمان استمرار الدور الإنساني القطري بفاعلية أكبر في مواجهة الأزمات العالمية.
الدوحة حين ترفع راية الكلمة
حيا الله، دوحة الخير، وهي تجعل من معرض الكتاب موسمًا للمعرفة، وعرسًا للوعي، وجسرًا بين الأجيال وحيا الله... اقرأ المزيد
9
| 21 مايو 2026
أتعبتنا المقارنات
المقارنات أمر مزعج وتحدث ضجيجاً حين نصبح وحين نمسي لا راحة معها، وتكبّلنا عن المضي في مساحات الحياة... اقرأ المزيد
204
| 21 مايو 2026
سيذهبون دوني
سيذهبون دوني.. أراقب قوافل الملبّين وهي تمضي، وأسمع تكبيراتهم تملأ الأفق، فيعتصر قلبي شوقاً وحنيناً. سيذهبون دوني.. سيطوفون... اقرأ المزيد
126
| 21 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1401
| 18 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج المعرفة، ليغدو فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الأحكام، وتوجيه القرارات، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بإدراكه لذاته وللعالم من حوله. فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد مجرد عملية طلب للمعلومة وتلقّيها، بل أصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها، بما يمنح الآلة دورًا يتجاوز الوساطة التقنية إلى تأثير معرفي ونفسي متنامٍ. وتنبع حساسية هذه المكانة الجديدة ليس فقط من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعرفة، بل من قدرته على ترسيخ قناعات المستخدم، وتعزيز إحساسه باليقين تجاه أفكاره وقراراته، بل وحتى تجاه رغباته ودوافعه. غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة. في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبًّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته. كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة. لكن التطور الأهم- في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق. فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل إنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"التملق الاجتماعي"، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية. وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءًا من آلية إنتاج التبرير نفسه. تكمن خطورة هذا التحول في أن الإنسان لا يبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن التبرير. وعندما تأتيه الموافقة من نظام يمتلك هالة معرفية عالية ويبدو قادرا على الفهم والتحليل، فإن هذه الموافقة لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية فحسب، بل بوصفها تصديقا يمنح الفعل شرعية إضافية. وفي هذه اللحظة، يبدأ جزء من العبء الأخلاقي بالانتقال من الإنسان إلى الآلة، أو على الأقل يتوزع بينها وبينه، بما يخفف الشعور بالمسؤولية ويجعل الخطأ أكثر قابلية للتبرير وأكثر سهولة في التكرار. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُفترض أن يساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، قد يتحول إلى أداة تجعله أكثر اطمئنانًا إلى أسوأ قراراته. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإضعافه. فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج إلى مقاومة داخلية، إلى احتكاك نقدي، إلى صوت يعترض حين يلزم الاعتراض. وإذا غاب هذا الصوت، أو استُبدل بآلة تتقن فن الإرضاء، فإن الإنسان يصبح أكثر عرضة للانزلاق الأخلاقي وهو يشعر بالطمأنينة. المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وفلسفية كذلك. لأن تصميم الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تصميم لعلاقة سلطة: من يملك حق التصحيح؟ ومن يحدد متى يجب على النظام أن يرفض؟ وهل وظيفة الآلة أن تخدم رغبات الإنسان، أم أن تحميه أحيانا من أسوأ نزعاته؟ وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي: ما الذي نريده فعلا من هذه الأنظمة؟ هل نريدها امتدادا لرغباتنا، تعكس لنا ما نحب سماعه، أم نريدها بنية معرفية مسؤولة قادرة على وضع مسافة نقدية بين الإنسان وأفكاره وأفعاله؟ فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة مطيعة، بل في أن تتحول الطاعة إلى معيار للجودة، والموافقة إلى معيار للذكاء. عند هذه النقطة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مرآة تضخّم انحيازاتنا وتعيد إلينا أخطاءنا في صورة أكثر إقناعا. وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر في تطوير الذكاء الاصطناعي هو جعله أكثر شبها بالإنسان في قدراته التحليلية واللغوية، بل في حمايته من وراثة أكثر العيوب البشرية رسوخا: التملق، والانحياز، والرغبة في تجنب المواجهة الأخلاقية حفاظا على القبول والرضا. فالآلة، حين تتعلم أن النجاح يقاس بمدى رضا المستخدم عنها، قد تنزلق تدريجيا من وظيفة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة إنتاج الطمأنينة، حتى لو كانت طمأنينة زائفة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الآلة، فالخطأ جزء من أي منظومة معرفية، بل في أن تضفي على الخطأ شرعية، وأن تحوّل التبرير إلى معرفة، والمجاملة إلى حكم، فتجعل الإنسان أكثر ثقة بما كان ينبغي أن يتردد حياله أو يعيد مساءلته. ما تقدم لا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بذاته؛ إذ يصبح أقل ميلا إلى مراجعة قراراته وأكثر استعدادا للبحث عن تصديق بدلا من نقد، وعن تأكيد بدلا من مساءلة. وفي عالم تتعاظم فيه سلطة الخوارزميات، وتتسع قدرتها على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، فإن الدفاع عن الحقيقة أصبح جزءًا من المسؤولية البنيوية للآلة نفسها. لأن الذكاء الاصطناعي، إذا أراد أن يكون أداة لتوسيع الإدراك البشري لا لتضييقه، يجب أن يتعلم متى يوافق، والأهم متى يعترض. فالمستقبل لن يُقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، بل بمدى نزاهتها حين تواجه الإنسان بحقيقته، لا بما يرغب في سماعه.
1143
| 14 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1062
| 19 مايو 2026