رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد سلعان المري

MohammedSelaan@

doha_qatar@msn.com

مساحة إعلانية

مقالات

486

محمد سلعان المري

المنصّات الرقمية بين الحقيقة والتضخيم

21 يوليو 2025 , 04:55ص

في زمن الصحافة الورقية، لم يكن من السهل أن تملأ مساحة الصفحة الأولى. كانت هناك معايير تحريرية صارمة، وهيئات رقابة داخلية، وتسلسل مهني يَمنح الخبر وزنه الحقيقي. أما اليوم، في زمن الصحافة الرقمية، فكل شيء قابل للنشر، وكل حدث قابل للتحويل إلى «ترند»، وكل شخصية قابلة للتلميع. لم تعد الفكرة أن يكون الحدث مهمًّا فعلاً، بل أن يبدو كذلك.

المنصّات الإخبارية الرقمية، خاصة الربحيّة منها، فتحت المجال أمام انفجار المحتوى وتضخيمه: مؤسسة ناشئة تُقدَّم كأنها ركيزة الاقتصاد، فعالية محدودة تُسوَّق كأنها ملتقى نخبوي عالمي، وشخصيات اجتماعية تُقدَّم بلغة البطولات. هذه المنصات، مدفوعةً بحاجتها إلى لفت الأنظار وجلب المعلنيين، باتت تستسهل المبالغة، وتُفضّل التهويل على التحليل.

وفي المقابل، تراجعت المعايير التي كانت تميّز الصحافة التقليدية. غرف الأخبار تقلّصت، وأدوار المحررين اختُزلت، وحتى فكرة «التحقّق من المعلومات» أصبحت رفاهية لا وقت لها في سباق النشر. وبين الحاجة إلى سرعة الانتشار، والرغبة في جذب الجمهور، تضيع الأولويات، ويعلو الصوت لا المعنى.

ليس المقصود هنا الحنين إلى الماضي، بل إدراك ما فقدناه. كانت الصحافة سابقًا تقود الرأي العام بمعايير مهنيّة، وتضع الأحداث في سياقها الطبيعي، بينما تحوّلت اليوم بعض المنصّات الرقمية إلى أداة تضخيم صوتي أكثر من كونها مصدرًا للمعرفة. تُشيد بالمؤسسات لارتباطها برعاة، وتضخّم شخصيات لارتباطها بجمهور، وتُعيد تدوير الأخبار وفق ما يُرضي المزاج العام أو يمكّن من تحقيق التفاعل المطلوب.

وتزداد هذه الظاهرة تعقيدًا حين تتورّط بعض المنصّات في منح صفة «الإنجاز» لمجرد مشاركة، أو تصف أي لقاء بأنه «قمة»، وتصف أي ظهور بأنه «دولي». حتى المصطلحات فقدت دقّتها. فكل فعالية أصبحت حدثًا، وكل منشور بيانًا، وكل تعاون شراكة استراتيجية، بينما المضمون الفعلي لا يتجاوز في أحيان كثيرة حدود المجاملة الإعلامية.

ومع أنّ هذا النمط الرقمي مكّن شرائح أوسع من التعبير والمشاركة، إلا أنّه وسّع أيضًا مساحة الضباب. فبقدر ما اتّسعت المساحات للنشر، ضاقت المساحات للحقيقة. وبات السؤال اليوم: من يكتب؟ ولماذا؟ ولمن؟

هنا تظهر الحاجة الماسّة إلى إعلام رقمي مهني، يعيد التوازن بين الانتشار والمصداقية، ويستعيد وظيفة الصحفي كراوٍ موثوق لا كناشر دعائي. لأن ما يُبنى على الضجيج لا يصمد، وما يُقدَّم للناس دون تحقّق لا يصنع وعيًا، بل حالة من الخدر الإعلامي. والنتيجة: جمهور يعيش في فقاعاتٍ من التكرار، ويتابع عناوين كبيرة لا تحمل وراءها شيئًا.

الصحافة الرقمية اليوم أمام تحدٍّ كبير: إما أن تستمر في التوسّع الكمي الخالي من المضمون، أو أن تتجه نحو نموذج نوعي يعيد الاعتبار للتحقيق، والمصداقية، والفرز المهني للأحداث. فالإعلام الذي يصنع الوعي لا يُقاس بعدد المشاركات، بل بقدرته على طرح الأسئلة الصحيحة، ولو لم تجد بعدُ كل الإجابات.

 

مساحة إعلانية