رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العالم مدعو إلى حملة وعي وترميم لثقافة العدالة ونبذ التمييز
هندسة الفوضى تحل في ديار الإنجليز فلا عجب أن يخرج ثلة من الشباب في مناحي بريطانيا العظمى وهي البلاد التي لم تكن تغيب عنها الشمس ليعبروا ولو بالعنف عن سخطهم من سلسلة نظم اجتماعية واقتصادية وربما سياسية فقد مست مشاهد التطرف الشبابي البريطاني صلب المؤسسة السياسية هناك وكثر الكلام حول سبل إدارة البلاد وسياساتها الداخلية والخارجية وفعالية تلك السبل مع مفاهيم العصر ومستجداته وخاصة الجوانب الاستهلاكية حيث توسعت الهوة بشكل كبير بين طبقات المجتمع وأصبح التصنيف سهلاً بين الغني والفقير دونما أن تلتفت السلطات بشكلها اللا مركزي هناك إلى حجم التغذية الأخلاقية للمجتمع وتراجعها أمام المد الإعلامي والتقني وسطوة الثورة الإلكترونية التي أنجبت جيلاً عنيفاً وفقيراً في بعضه بسبب مؤثرات اقتصادية وأخرى ربما كتلك التي تصنف الناس في الشوارع حسب أعراقهم وألوانهم لذلك سقط " مارك دوغان " برصاص الشرطة الإنجليزية واندلعت الشرارة الأولى في أكثر من مدينة لتدخل بريطانيا بعظمتها التاريخية متاهة حرب في شوارعها ضد أحداث عزل غالبا لا يحملون سوى شعورهم بالفقر وواقعاً تغذيه ثقافة العنف والتمييز والبطالة, ما يحدث في بريطانيا صورة متكررة ربما شوهدت في الكثير من دول العالم فلم تسلم حتى كبرى المدن العالمية وأرقاها تمدناً من مثل تلك الفوضى المحكومة بهندسة خاصة يحسن بعض المحللين تسميتها بـ " هندسة الفوضى " وفقا لسيكيولوجيا النفس البشرية التي تحكمها دوافع ومقاييس متفاوتة للتعاطي مع الشعور السلبي للرضا فهذه الأحداث وإن تنوعت أسبابها ودوافعها المحركة وحجم وطريقة التعبير فهي نتاج معادلات قيمية نفسية وأخرى عامة يمكن التنبؤ بها وقياسها حتى لم تسلم منها أمة مهما بلغت درجة تحضرها, فشرقنا العربي كان نصيبه وافرا من مثل هذه الاحتجاجات وخاصة هذا العام فليس هناك بأحد أفضل من الآخر في هذا العالم: " فما أشجاك أشجانا " فالكل موجوع بثقل همه ومشاكله وهي في النهاية حالة تعبيرية متفاوتة الأبعاد والتغذية, والعجيب أن بعض دول شرقنا أخذت الفرصة في أحداث لندن " للهزو " من بريطانيا تحديداً والغرب عموماً عارضة أجندات لسبل المعالجة وطرح الحلول لاستعادة الاستقرار والأمن هناك بيد أن الانفعالات الإنسانية وتفاوتها معروفة ومتراكمة منذ أن حطت قدم أبونا آدم على الأرض وفي الهند تحديداً حسبما يرى المؤرخون, فالاختلاف من صيغ البنية العامة للإنسانية وهو قديم وموروث وتختلف صور التعبير عنه حسب الثقافة وميول المجتمع فالعرب قالت مثلا: " قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق " لذلك هناك من يستعد للموت دون رزقه أو قوته تماماً كما حدث في لندن حينما أشار أحد المراهقين المشتركين في الأحداث في مقابلة تليفزيونية لقناة سكاي إلى أن الحرمان الشديد كان الدافع للبحث عن الحاجة أو حتى الأساسيات , فأحدهم قد سلب حفاظات لطفله فيما يشير معظم المتحدثين في الإعلام حول تلك الأحداث إلى غياب العدالة الاجتماعية في المجتمع البريطاني وتلك مع الأسف حالة عالمية عامة الآن تواجهها معظم شعوب العالم بينما قد يبدو العتب على لندن أكثر باعتبارها حاضنة للحريات والتعبير عن الرأي وداعمة لحقوق الإنسان بل ويشن ساستها أحيانا والمنظمات الحقوقية فيها حروبا كلامية على حكومات ودول تبرز فيها بعض ملامح التطرف الاجتماعي أو غياب العدالة والحرية , وهنا يمكن فهم هزو بعضنا في الشرق دولا وأفرادا من الأحداث في لندن بيد أن الشماتة ليست من محاسن القيم والأخلاق بل كما قيل " طل في جيبك ترى عيبك " لذلك فالعالم من أقصاه إلى أقصاه مدعو إلى حملة وعي وترميم لثقافة العدالة ونبذ التمييز بين أفراد كل مجتمع فلا يصنف أحد حسب لونه أو عرقه أو معتقده فالاختلاف سنة إنسانية لا يمكن إلغاء الآخر بسببها أو تهميشه أو تعنيفه بل يجب أن تكون العدالة مشروعاً عالمياً للتلاقي والتعاون, كما يوجه الكثير من اللوم هنا بشدة للمنظمات الحقوقية في العالم فهي تجامل غالباً دول على أخرى وتكثف تقاريرها عن دول وتسكت عن أخرى في صورة من التسييس والانحيازية الواضحة بينما الهموم والمشاكل في كل مكان ولا يجب السكوت عنها أو الاكتفاء بدور المتابع دون أن يكون لتلك المنظمات جهود استباقية تمنع مثل تلك الأحداث.
Farhan_alaqeel@yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3867
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1668
| 30 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1560
| 06 مايو 2026