رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقولون بالإنجليزية: "أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً". قد يصدقُ هذا المثل على محاولة الغرب بشكل عام، وأمريكا تحديداً، للتعامل مع ظاهرة الإرهاب الدولي. ولكن، لو أن هذه القوى ستصل فعلاً لتحقيق ذلك الهدف.
لماذا نُشكِّكُ في الأمر؟ لأن التفكير بأحداث عقدٍ ونصف من الزمان تجعل الحليم حيراناً فيما يتعلق بممارسات الغرب وسياساته المتعلقة بهذا الموضوع، وهي المُفعمة بالتناقضات، وإساءة الحسابات، والزهد في سماع اقتراحات الحلول، وفي الاستجابة للمبادرات. فمنذ عامين تقول السي آي إيه إن عدد (داعش) لا يتجاوز المئات، ثم يصبح بعد عامين عشرة آلاف، لتصرخ اليوم بأنهم تجاوزوا ثلاثين ألف مقاتل!
والحقيقة أن مثل هذا التصرف إما أن يدل على سوءٍ في التقدير والتخطيط والحسابات لا يجوز معه اعتبار من يمارسه دولة (كبرى)، أو أنه يدل على رغبةٍ غير معلنة في تفاقم الظاهرة، تُصبح معها مثل تلك الممارسات غطاءً للإلهاء وصرف الأنظار عن الحقيقة المذكورة، ولا تفسير ثالث منطقياً لمثل هذه الظاهرة الغريبة.
أكثر من هذا، لا ندري إن كانت أمريكا وأوروبا بمراكز أبحاثها ومؤسساتها التي يُفترض بها أن تحفظ كل معلومة صغيرة أو كبيرة في هذا العالم، تتذكر أن ثمة مؤتمراً دولياً لمكافحة الإرهاب عُقد في الرياض منذ قرابة عشر سنوات حضرته أكثر من ستين دولة. وأن أجندة المؤتمر ودراساته وأوراقه وتوصياته كان يمكن أن تكون (دليل المُستخدِم)، إن صح التعبير، للقضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي لو تم الأخذ بها منذ ذلك الوقت.
الأرجح أن السادة من خبراء العالم الذين يجمعون اليوم أربعين دولةً لمكافحة إرهاب (داعش) بالتركيز على القوة والضربات الجوية، نسوا تماماً ذلك المؤتمر وتوصياته الذهبية. من هنا، كان ضرورياً أن نذكِّرهم، ونذكر العالم، بها. وكم سيكون مؤلماً أن نذكرهم مرةً أخرى بها بعد زمن في حال فشل جهودهم المبنية على رؤية مختزلة وأحادية للإرهاب ولسبيل مكافحته بشكل شاملٍ ونهائي.
ذَكَرَت التوصياتُ يومَها أن الأسباب الجذرية للإرهاب تشمل الفقر المدقع، والنظام والهيكل الاجتماعي غير العادل، والفساد، والأسباب السياسية، والاحتلال الأجنبي، والاستغلال الشديد، والتطرف الديني، والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان، والتمييز، والتهميش الاقتصادي، والاستلاب الثقافي نتيجة للعولمة، إضافة إلى الصراعات الإقليمية التي تستغل كذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية. فأين النظام الدولي من معالجة هذه القضايا بالشكل الذي يكفل محاربة الإرهاب الحقيقي؟
ذكرت التوصيات أنه ينبغي بذل محاولات جادة لتسوية المنازعات الإقليمية والدولية سلمياً من أجل تفويت الفرصة أمام المنظمات الإرهابية لاستغلال معاناة الشعوب التي ترزح تحت وطأة ظروف غير عادلة.
ذكرت أنه ينبغي دعم جهود الإصلاح الوطني بهدف توسيع المشاركة السياسية والتعددية، وتحقيق التنمية المستدامة، والتوصل إلى توازن اجتماعي وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني بغية التصدي للظروف التي تعزز العنف والتطرف.
نعم، أكدت التوصيات أنه بصرف النظر عن أي ذريعةٍ يسوقها الإرهابيون تبريراً لأعمالهم، فإن الإرهاب لا مبرر له. لكنها أَوضَحت أيضاً أن غياب الاتفاق بشأن تعريف شامل للإرهاب يعيق الجهود الدولية لمكافحته، ولهذا يكون من الضروري دائماً التغلب على مشكلة تعريفه.
هاهي إيران، مثلاً، تمارس أكبر دورٍ في الإرهاب الرسمي المنظم في المنطقة، وتقف بقوة وراء إرهاب لم يسبق له مثيل من قِبل نظام الأسد، والحوثيين، وتدعم ممارسات الطرفين عبر حركاتٍ إرهابية وميليشيات منظمة مثل الحركة التي تسمي نفسها (حزب الله) وغيرها من المنظمات الطائفية. لكن الحملة الدولية المعاصرة تتجاوز كل ذلك، ولا تذكره بكلمةٍ واحدة. في حين أننا نعلم أن خلق إجماعٍ شعبي ووطني كبير على المهمة الخطيرة المتمثلة في محاربة (داعش) تتطلب ربطاً واضحاً بين هذه القضايا.
وهذا ما كان المقصود إلى درجة كبيرة حين ذَكرت التوصيات أن "من الأهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لازدهار الإرهاب بغرض الإسهام في القضاء على الإرهاب". ويعلم القاصي والداني دور إيران الرئيس في توفير أرضية خصبة لازدهار الإرهاب في المنطقة بكل أنواعه، وعن سابق قصدٍ وإصرار. الأنكى أن تحاول إيران التذاكي على دول المنطقة وعلى العالم بادعاء البراءة والحديث عن ضرورة محاربة الإرهاب، وعن رغبتها في المشاركة في ذلك، في حين أن عليها أن تفعل الكثير لتُثبت أنها ليست منغمسة فيه إلى النخاع كدولة راعية رسمية للإرهاب.
لم تأخذ دول العالم المقترح المذكور بشكلٍ جدي للأسف، ولم تتعامل مع موضوع الإرهاب الدولي بما يتناسب مع خطورته الحقيقية بشكلٍ يثير الكثير من الاستغراب والتساؤلات. حصل هذا رغم أن ألف باء التفكير السياسي تؤكد أنه لو تمت الاستجابة لمثل تلك التوصيات، فإن من المؤكد أن عمل عشر سنوات وفقاً لها كان يمكن له أن يخلق واقعاً لا نصل معه إلى ما وصلنا إليه اليوم.
هكذا، تتضح مرةً أخرى مشكلة النظام الدولي وافتقاده القدرة أو الإرادة، وفي كثيرٍ من الأحيان كليهما، في معرض التعامل مع القضايا الكبرى التي تمس غالبية الدول والشعوب. وإلا فإن من غير الممكن وجود تفسير آخر لهذا الاستهتار كل هذه المدة، في مقابل الصحوة المفاجئة التي نراها الآن. والكل يعلم أن فعالية التعامل مع مثل هذه القضايا المعقدة بتخطيط شمولي طويل الأمد هي أكبرُ بكثير منها عندما تكون مُستعجلةً وقائمةً على الحشد والتعبئة والترتيبات الانفعالية التي تأتي استجابةً للضغوط الراهنة.
ما يزيد الأمر سوءاً هو أن مثل هذه السياسات القصيرة النظر تسمح لدولٍ مثل روسيا بلعب أدوارٍ فيها الكثير من الانتهازية والنفاق. فروسيا التي عطلت مجلس الأمن مرات عندما حاول القيام بدورٍ لمواجهة إرهاب نظام الأسد، والذي كان منبع إرهاب داعش وغيرها بممارساته الوحشية، هي التي تتصنع اليوم المناداة بالشرعية والحرص عليها، وترفض محاربة الحركة دون ذلك، بل والأسوأ أنها تُطالب بدورٍ لنظام الأسد الإرهابي في الحرب على الإرهاب.
لقد قالت العرب دائماً إن (درهم وقاية خير من قنطار علاج). وفي حين يبدو النظام الدولي في وارد الغفلة عن تلك القاعدة، فإن المشاركة في الجهود الحالية مطلوبة، رغم أن تحقيق أهدافها بشكلٍ فعال قد لا يكون ممكناً، في نهاية المطاف، إلا بمشروعٍ إقليميٍ شاملٍ وعاقل ينبني على مقولة عربيةٍ أخرى تؤكد دائماً بأن (أهل مكة أدرى بشعابها).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3867
| 29 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1908
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1674
| 30 أبريل 2026