رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاءت مشاركة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها السابعة والسبعين في نيويورك أمس، معبرة تماماً عن الظروف التاريخية التي يمر بها العالم بسبب التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والصراعات فضلاً عن الحرب الروسية الأوكرانية التي القت بظلالها على أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكانت كلمة سمو الأمير متسقة مع مواقف قطر ومبادئها الثابتة تجاه التطورات الدولية الحالية والمشاكل التي تعاني منها المنطقة.
احتوى خطاب سمو الأمير على قراءة متعمقة لهذه التحديات مع تقديم اقتراحات موضوعية للتعاون الدولي في سبيل إيجاد الحلول الجذرية لها في ظل الشرعية الدولية والدور الإستراتيجي المهم الذي تقوم به الأمم المتحدة.
ويمثل خطاب الأمير وثيقة سياسية إستراتيجية تعكس قضايا العالم بوضوح وشفافية ورؤية موضوعية تفصل بين الأزمات ودوافعها وكيفية الوصول إلى حلول منطقية لها.
العالم قرية
أول رسالة وجهها سمو الأمير إلى المجتمع الدولي مفادها بأن العالم أضحى قرية صغيرة تتداخل فيها همومنا وتتشابك قضايانا، ومع أن عالمنا تغير بوتيرة سريعة لناحية انتشار آثار أي حدث بيئي أو أزمة اقتصادية أو مواجهة عسكرية على المستوى العالمي، إلا أن مقارباتنا وأساليبنا لم تتطور بالوتيرة ذاتها لتواكب هذه التغيرات الثورية، وسواء أكان الرأي أن العالم أحادي القطب أم متعدد الأقطاب، فإن السياسة الدولية ما زالت تدار بمنطق الدول المتفاوتة القدرات والمصالح والأولويات، وليس بمنطق العالم الواحد والإنسانية الواحدة، وتحديدًا إدارة الأزمات العالمية من منظور مصالح ضيقة قصيرة المدى، وتهميش القانون الدولي، وإدارة الاختلاف بموجب توازنات القوى، وليس على أساس ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول.
الحرب الروسية الأوكرانية
الرسالة الثانية التي وجهها صاحب السمو في خطابه تتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث قال سموه: ندرك تماماً تعقيدات الصراع بين روسيا وأوكرانيا والبعد الدولي له، ومع ذلك ندعو إلى وقف إطلاق النار ومباشرة السعي إلى حل سلمي للنزاع، فهذا ما سوف ينتهي إليه الأمر على كل حال مهما استمرت الحرب، ودوامها لن يغير هذه النتيجة، بل سوف يزيد من عدد الضحايا، كما يضاعف آثارها الوخيمة على أوروبا وروسيا والاقتصاد العالمي عموماً.
قضية العرب الأولى
لا يكاد أي خطاب لسمو الأمير أن يخلو من التذكير المستمر بالقضية الفلسطينية، وجدد سمو الأمير ذكر مواقف قطر الثابتة تجاه القضية العربية الأولى وما يعانيه الفلسطينيون من ويلات الاحتلال، وأشار إلى ذلك بقوله: لا أعتقد أن مندوبي الدول الحاضرين يحتاجون إلى التذكير بأن القضية الفلسطينية ما زالت دون حل، وأنه في ظل عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية ومع التغير المتواصل للوقائع على الأرض أصبح الاحتلال الاستيطاني يتخذ سياسة فرض الأمر الواقع، مما قد يغير قواعد الصراع وكذلك شكل التضامن العالمي مستقبلاً، وأضاف سموه: من هنا أجدد التأكيد على تضامننا الكامل مع الشعب الفلسطيني الشقيق في تطلعه للعدالة، كما أكرر التأكيد على ضرورة تحمل مجلس الأمن لمسؤوليته بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
مجرمو الحرب
لفت سمو الأمير النظر كذلك حول عجز المجتمع الدولي عن محاسبة مجرمي الحرب في سوريا على ما ارتكبت أيديهم، وإمعاناً في الخذلان أصبح البعض يسعى لطي صفحة مأساة الشعب السوري دون مقابل، ويتجاهل التضحيات الكبيرة التي قدمها هذا الشعب المنكوب دون حل يحقق تطلعاته.
وتقدم القضية السورية درساً مهماً بشأن عواقب غياب الرؤية البعيدة المدى لدى قوى المجتمع الدولي الفاعلة حين يتعلق الأمر بمعالجة معاناة الشعوب من الطغيان اللامحدود والفقر المدقع والحروب الأهلية قبل أن تصبح ظواهر مرافقة لها مثل اللجوء وهي المشكلة التي تحتاج إلى حل.
العملية السياسية في ليبيا
وحول الوضع في ليبيا، طالب سمو الشيخ تميم - حفظه الله - باتخاذ إجراء دولي وفوري لاستكمال العملية السياسية والاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة، والجميع بات يدرك أنه لا يمكن استعادة الدولة دون توحيد القوى العسكرية وإعادة تأهيل الفصائل المسلحة في جيش وطني واحد، ونبذ من يرفض هذا الحل ومحاسبته.
بصيص أمل في اليمن
وتطرق سمو الأمير إلى الأزمة في اليمن
حيث قال: نرى بصيص أمل في توافق الأطراف على هدنة مؤقتة، ونتطلّع إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار تمهيداً للتفاوض بين الأطراف اليمنية على أساس مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرار 2216.
التوافق الوطني
عبر سمو الأمير في خطابه عن أمله في أن يتحقق التوافق الوطني في كل من العراق ولبنان والسودان، من خلال ارتقاء النخب السياسية إلى مستوى المهام المطلوبة والمعروفة اللازمة ليكون ممكناً تحقيق تطلعات المواطنين، والتي تضمن وحدة الشعب والوطن وتحفظ تنوعه في الوقت ذاته، مشيراً إلى ان الأمر ليس ممكناً فحسب، بل هو واقعي للغاية لو توافرت الإرادة والاستعداد لتقديم التنازلات للتوصل إلى تسويات والتخلي عن نهج المحاصصة الحزبية الطائفية التي ترفضها الأجيال الشابة.
قطر والتحديات الدولية
وقدم سمو الأمير رؤية قطر تجاه هذه التحديات الدولية الراهنة قائلاً: نحن في قطر نؤمن بضرورة التوصل إلى اتفاق عادل حول البرنامج النووي الإيراني يأخذ في الاعتبار مخاوف الأطراف كافة، ويضمن خلو المنطقة من السلاح النووي، وحق الشعب الإيراني في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية، ليس لدى أحد بديل عن مثل هذا الاتفاق، وسوف يكون التوصل إليه في صالح أمن واستقرار المنطقة وسيفتح الباب لحوار أوسع على مستوى الأمن الإقليمي.
أما في أفغانستان، دعا سموه جميع الأطراف إلى الحفاظ على مكتسبات اتفاق الدوحة للسلام والبناء عليه، ومنها ألا تكون أفغانستان ملاذاً للأفراد والجماعات الإرهابية والمتطرفة، حتى يحظى الشعب الأفغاني بالاستقرار والازدهار الذي طال انتظاره، وأضاف سموه: لقد أكدنا مراراً على ضرورة حماية المدنيين في أفغانستان، واحترام حقوق الإنسان والمواطن، بما في ذلك حقوق المرأة، وحق الفتيات في التعليم، وتحقيق المصالحة الوطنية بين فئات الشعب الأفغاني، وحذر سمو الأمير من خطورة عزل أفغانستان وما يمكن أن يترتب على محاصرتها من نتائج عكسية.
مساهمة قطر في حل مشاكل الطاقة
قدم سمو الأمير في الخطاب رؤية قطر في المساهمة في حل هذه الأزمة بفضل استثمار قطر في الغاز الطبيعي المسال منذ عقود خلت، وقال: تمكنا الآن من الشروع في توسعة حقل غاز الشمال، والذي سيلعب دوراً محورياً في التخفيف من أزمة نقص إمدادات الطاقة في أجزاء مهمة من العالم، مشيراً إلى أن ثمة سلعا مثل الطاقة والغذاء والدواء تحمِّل مصدّريها مسؤولية تتجاوز المسؤولية التجارية، وذلك بدءًا بالموثوقية واحترام العهود، ومن ناحية أخرى، لا يجوز حظر مرور مثل هذه السلع أو منع تصديرها أو استيرادها في مراحل الأزمات السياسية وفرض الحصار على الدول، وبالدرجة ذاتها لا يجوز استخدامها أداة في النزاعات، فهي ليست سلاحاً، تماماً مثلما لا يجوز التحكم بمصادر المياه كأنها أدوات سياسية.
المستقبل إلى أين؟
قدم خطاب صاحب السمو تحليلا سياسيا لمستقبل العالم في ظل هذه التحديات والكيفية التي يمكن بها مواجهة هذا الواقع فقال: قد ترسم وقائع عالمنا اليوم صورة قاتمة عن مستقبل الإنسانية، ولكننا نؤمن بالحوار والعمل المشترك ومحاولة تفهم كل طرفٍ للطرف الآخر بأن يحاول أن يضع نفسه في مكانه ليرى الأمور من منظوره.
والدول الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر حاجة لقواعد ثابتة تنظم العلاقات الدولية، فلا يصح أن تكون الاتكالية على الدول العظمى سبباً في التقاعس عن تحقيق التواصل بيننا، ويرى سموه أن لكل منا دورا يقوم به، وما يبدو اليوم مستحيلاً سيكون واقعاً إذا توافرت الرؤية والإرادة والنوايا الحسنة.
إن النهج الذي اتخذناه في قطر هو التركيز على التنمية الوطنية والتنمية الإنسانية داخلياً، وعلى السياسة الخارجية القائمة على الموازنة بين المصالح والمبادئ، والوساطة في حل النزاعات بالطرق السلمية، وإدراك مسؤوليتنا كمصدر للطاقة. وهو ما مكننا من ترسيخ سمعتنا كشريك موثوق به دولياً.
وفي ختام خطابه وجه سمو الأمير الدعوة إلى قادة العالم لحضور الحدث الدولي الاستثنائي الكبير وهو مونديال قطر 2022 قائلا: سوف ترحب قطر بالعالم في نوفمبر من هذا العام عندما نستضيف بطولة كأس العالم. لقد تطلب التحدي الذي أقدمنا عليه منذ اثني عشر عاماً تصميماً وعزماً حقيقيين والكثير من التخطيط والعمل الجاد، وها نحن اليوم نقف على أعتاب استضافة منتخبات العالم وجماهيرها، ونفتح أبوابنا لهم جميعاً دون تمييز ليستمتعوا بكرة القدم وأجواء البطولة المفعمة بالحماس، وليشهدوا النهضة الاقتصادية والحضارية في بلادي.
في هذه البطولة، التي تقام لأول مرة في دولة عربية ومسلمة، ولأول مرة في الشرق الأوسط عموماً، سيرى العالم أن إحدى الدول الصغيرة والمتوسطة قادرة على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي، كما أنها قادرة على أن تقدم فضاء مريحاً للتنوع والتفاعل البناء بين الشعوب.
واستعرض سموه مؤشرات الأثر الإيجابي لهذا الحدث في منطقتنا فقد قامت دول عربية شقيقة باعتبار بطاقة هيّا التي تشمل تأشيرة الدخول إلى قطر تأشيرة للدخول إلى تلك الدول أيضاً، مما قوبل بترحيب الرأي العام، وحفز الشعوب.
وقد خلص خطاب سموه بقراءة واقعنا اليوم مع تقديم رؤية واقعية وخريطة طريق للتعاون الدولي الذي يسهم في وضع الحلول لهذا الواقع.
رئيس التحرير
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4281
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2403
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1155
| 28 سبتمبر 2026