رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

195

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

المسؤول يغادر المنصب فهل تغادر خبرته معه؟

21 سبتمبر 2026 , 12:00ص

المناصب لا تدوم لأحد، فهي مسؤولية مؤقتة يتولاها الإنسان في مرحلة من حياته، ثم يغادرها بالتقاعد أو انتهاء مدة التكليف أو الانتقال إلى موقع آخر. لكن عندما يغادر المسؤول منصبه، هل ينبغي أن تغادر خبرته معه، وكأن سنوات العمل وما تراكم خلالها من معرفة وتجارب قد انتهت بانتهاء القرار الإداري؟

إن المسؤول الذي أمضى سنوات في خدمة مؤسسة لا يحمل معه مجرد ذكريات، بل يمتلك رصيدًا من الخبرة العملية لا توفره الكتب والدورات التدريبية وحدها. فقد واجه الأزمات، واتخذ القرارات، وتعامل مع الأخطاء، وعرف مَوَاطن القوة والضعف، وشهد مراحل تطور المؤسسة. ولذلك فإن خروجه من المنصب دون آلية للاستفادة من خبرته يمثل خسارة للمؤسسة وللدولة.

ولا تعني الاستفادة من المسؤول السابق أن يتدخل في أعمال المسؤول الجديد أو يستمر في ممارسة نفوذه؛ فلكل مرحلة قيادتها، ولكل مسؤول صلاحياته ورؤيته. المقصود هو تحويل خبرته إلى معرفة مؤسسية يمكن الرجوع إليها من خلال المجالس الاستشارية واللجان المتخصصة، وورش نقل الخبرة، وإعداد القيادات الشابة، ودراسة المشروعات والسياسات العامة.

ونرى في الولايات المتحدة وكثير من الدول الأوروبية أن الاستفادة من أصحاب الخبرات لا ترتبط بعمر محدد، ولا تنتهي بالتقاعد أو مغادرة المنصب. فنشاهد مسؤولين وخبراء سابقين يواصلون العطاء في البرلمانات ومجالس المؤسسات والشركات، وفي مراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. وتستفيد منهم دولهم في تقديم المشورة وصناعة السياسات وتدريب الأجيال الجديدة، لأن الخبرة لديها قيمة وطنية لا تسقط بمرور العمر.

أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول أو الخبير منصبه فتغيب معه خبرته، وكأن التقاعد نهاية للعطاء. والمفارقة أن بعض مؤسساتنا قد تستبعد خبيرًا وطنيًا راكم المعرفة عشرات السنين، ثم تستعين بخبير من الخارج لأداء مهمة يستطيع ابن الوطن القيام بها بكفاءة، بل بمعرفة أعمق بطبيعة المجتمع واحتياجاته وأنظمته.

وفي قطر عدد كبير من المسؤولين السابقين والخبراء الوطنيين الذين خدموا في الوزارات والمؤسسات والمجالس المختلفة، وأسهموا في وضع الأنظمة وتنفيذ المشروعات ومعالجة التحديات. ومن بينهم أعضاء سابقون في المجلس البلدي المركزي، ومسؤولون في قطاعات التعليم والصناعة والبلديات والصحة والاقتصاد. لكن بعضهم يبتعد عن الحياة العامة بعد مغادرة المنصب، لا لعدم رغبته في العطاء، بل لغياب القنوات التي تستوعب خبرته.

وقد تتكرر الملفات، فتبدأ بعض المؤسسات دراستها من الصفر، رغم أن مسؤولين سابقين تعاملوا معها وعرفوا نتائج محاولاتها السابقة. ولو وُجد سجل مؤسسي للخبرات، لأمكن اختصار الوقت والجهد، وتجنب تكرار الأخطاء، ومساعدة المسؤولين الجدد على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا.

ومن المناسب إنشاء قاعدة وطنية للخبرات والكفاءات، تصنف المسؤولين والخبراء السابقين وفق تخصصاتهم وتجاربهم، للاستعانة بهم في اللجان والمشروعات والدراسات وتدريب القيادات الواعدة. كما يمكن لكل وزارة أو مؤسسة إنشاء مجلس استشاري من قياداتها السابقة، يقدم عند الحاجة رأيًا غير ملزم في القضايا الإستراتيجية.

وفي المقابل، يجب أن يدرك المسؤول السابق أن تقديم الخبرة يختلف عن التمسك بالمنصب، فيقدم رأيه بأمانة ويترك لصاحب القرار مسؤولية الاختيار. كما أن المسؤول الجديد الواثق من قدراته لا يخشى الاستماع إلى من سبقه.

إن التكريم الحقيقي للمسؤول السابق لا يكون فقط بحفل وداع أو درع تذكارية، بل بالحفاظ على خبرته وإتاحة الفرصة له لمواصلة خدمة وطنه. فالمسؤول يغادر مكتبه وكرسيه، لكن خبرته يجب ألا تغادر معه؛ لأنها أصبحت جزءًا من الرصيد الوطني الذي يبني الحاضر ويمهد للمستقبل. وبذلك نحفظ الذاكرة المؤسسية ونمنح الكفاءات الوطنية مكانتها المستحقة في مسيرة التنمية والبناء الوطني المستدام.

مساحة إعلانية