رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

126

إحسان الفقيه

الإسلام والإنسانية.. دائرة الالتقاء

21 سبتمبر 2026 , 12:00ص

ما من فكرة متطرفة إلا ويقف قبالتها فكرة متطرفة أخرى مضادة لها، وبينهما تقبع الحقيقة التي تعرضت للتشويش.

ومن ذلك تحرير العلاقة بين الإسلام والإنسانية، التي وجدت نفسها بين اتجاهين متطرفين، أحدهما يغفل عن حقيقة أن أمة الإسلام جزء من المنظومة الإنسانية، فمن ثم ينزع إلى الانفصال عن هذه المنظومة بدعوى الحفاظ على خصوصية المنهج، وأما الاتجاه الثاني فهو يهدر خصائص الإسلام ويقصي مبادئه، وينزع إلى الذوبان تحت مظلة التعايش الإنساني.

العلاقة بين الإسلام والإنسانية كانت واضحة المعالم لدى المسلمين الأوائل منذ أن نزل قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

هذه الآية حددت دائرة يلتقي فيها الإسلام بالإنسانية، وهي دائرة الاجتماعي البشري المستند إلى أصل يتساوى فيها الناس جميعا وهو الطينة البشرية الواحدة، حيث إن الغاية من جعْل الناس شعوبًا وقبائل هي التعارف والتعامل القائم على احترام هذه الخِلقة الإنسانية المكرمة، وهي أهداف تؤول إلى القبول بحقوق الآخرين والتفاعل معهم وإفادتهم والاستفادة منهم.

رسالة الإسلام لم تنزل إلى البشرية لتعيش في كوكب خاص بها ولا لينغلق أتباعها على أنفسهم، بل لتحدث التفاعل المثمر بين الناس، وتعمل على رعاية الإنسانية ليس في إطار معتنقيها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى العناية بالكائن البشري بشكل عام. وتحرير الإنسانية من ربقة الاضطهاد والظلم هو من صلب رسالة الإسلام التي عبر عنها الصحابي ربعي بن عامر بقوله: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).

وقد فهم المسلمون دائرة الالتقاء بين الإسلام والإنسانية من خلال قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، فهو رحمة مهداة لكل أهل الأرض، سواء أولئك الذين استناروا بهديه والتزموا منهاجه وفازوا بالدنيا والآخرة، أو أولئك الذي نأوا عنه فأصابتهم هذه الرحمة العامة من جهة منع الإهلاك العام كما في الأمم السابقة، ومن جهة الانتفاع بتشريعات العدل والرحمة والإحسان مع غير المسلمين.

ومن هذا المنطلق، كانت الحضارة الإسلامية ثمرة للتفاعل الحر الاختياري بين الحضارات المتعددة والمتمايزة، يجمع بينها القاسم الإنساني المشترك.

لكن الالتقاء بين الإسلام والإنسانية في هذه الدائرة لم يمنع الإسلام من الحفاظ على خصوصيته كمنهج شامل متفرد صالح للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن أمته هي خير أمة أخرجت للناس، وتلك هي دائرة التفاضل التي يمتاز فيها إنسان عن آخر بمعيار التقوى، ويوضح الإمام ابن كثير الفرق بين الدائرتين بقوله:

"جميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم".

إن خدمة الإسلام ونشر منهاجه الصافي الذي كان عليه الرعيل الأول، هي في جوهرها خدمة للإنسانية، والعمل من أجل رفعته لا ينفصل عن واقع الإنسانية، فهو بناء إنساني متكامل، شرط أن يقدم النموذج الصحيح منه، ذلك لأن المنهج ليس مسؤولا عن اعوجاج معتنقيه ولا يُنسب إليه تفريط المفرطين ولا غلو الغلاة.

ربما ينتقد البعض هذه الكلمات بدعوى أنها تنظير وتأصيل لا يتعلق بالواقع العملي، لكن أصحاب هذه النظرة قد غاب عنهم أننا نخوض في هذا العصر معركة فهم ووعي، والتفكير هو الطريق إلى العمل، فقبل أن نسأل: ماذا نعمل؟ ينبغي أن نسأل: كيف نفكر؟ ولذا قال الطاهر بن عاشور: "إن إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والعلم والاعتبار".

مساحة إعلانية