رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال نجيب محفوظ: (ليس عجيباً أن فرعون ادعى الإلوهية إنما العجيب أن شعب مصر صدقوه)
وقد يكون من الأعجب أن بعض الناس يستعذبون العبودية ويدافعون عنها ولا يرون لهم وجودا إلا فيها، وقد حكى لنا التاريخ صورا متعددة من ألوان العبودية وكيف أن بعض الحكام استعبدوا شعوبهم في ظل دعاية إعلامية ضخمة كان يقودها غالبا رجال الدين ومن على شاكلتهم، مقتنعين بما يفعلونه تارة ومستفيدين منه تارة أخرى.
ومما حكاه القرآن الكريم وفسره التاريخ ما يمكن تسميته بـ (الحالة الفرعونية)، فكثير من فراعنة مصر دعوا الناس لعبادتهم، ومن هؤلاء رمسيس الثاني الذي استعبد بني إسرائيل، وكان يقول - كما ورد في القرآن - (أنا ربكم الأعلى)، وقد قاتل موسى عليه السلام عندما دعاه لترك ما هو عليه وعبادة الله وحده لكنه رفض ذلك كما رفضه كهنته والمقربون إليه، والغريب في الأمر - كما قال نجيب محفوظ - أن الكثيرين كانوا يعبدونه كما يعبدون غيره بقناعة وحب شديدين!! وقد نقل التاريخ قصة رواها سنوحي طبيب الفرعون (أمفسيس) وملخصها: أن هذا الفرعون كان طاغية مستبدا وفي ذات مرة طلب من الوجيه إخناتون أن يعطيه كل ما يملكه حتى زوجاته وقبل إخناتون لكنه طلب من الفرعون أن يبقي له داره وشيئا من المال يستعين به!! فغضب الفرعون من طلبه وأمر بقطع يديه ورجليه ورميه ليموت في الشارع ليكون عبرة لغيره!! قال سنوحي: عالجت الرجل وتمكنت من إنقاذ حياته وكنت ألاحظ أنه كان يتمنى الانتقام من الفرعون ولو على يد غيره!! ومات الفرعون بعد ذلك وحضر سنوحي مراسم الدفن وكان الكهنة يلقون الخطب في تمجيد الفرعون وحبه لمصر وللمصريين وكانوا يثنون على عدله ورحمته بشعبه!! يقول سنوحي: سمعت الحاضرين يجهشون بالبكاء وسمعت أحدهم يبكي أكثر منهم بكثير فالتفت لأرى من هو ففوجئت أنه إخناتون ذلك المعوق الذي جاء مشدودا على ظهر حمار ولما رآني مأخوذا بما أراه منه قال بصوت مرتفع: لقد كان أمفسيس على حق فيما فعله بي لأنني لم أستجب إلى أوامر الإله وهذا هو جزاء كل من يعصي الإله الذي خلقه وأحبه وأي سعادة أعظم للمرء من أن ينال جزاء أعماله الذي يستحق على يد الإله لا على يد غيره!! لقد أراد أن يقول لنا الطبيب سنوحي إن أكاذيب الكهنة ورجال الدين وتزويرهم للواقع هي التي تؤثر على عامة الناس وتجعلهم يستعذبون العبودية ويمارسونها بحب كبير، وهذا هو الدور الذي تقوم به الصحافة حاليا بمؤازرة رجال دين ومثقفين وتجار وغيرهم.
لقد انتقلت فكرة العبودية للحاكم من الفرس والهنود والصينيين إلى العرب، فقد كانت تلك الشعوب تقدس حكامها ولا تسمح مناقشته في أي أمر يريده وإلا تعرض للموت والهلاك، وكان رجال الدين - خاصة - يحذرون من من سطوة الحاكم باعتباره إلها أو جزءا من الإله، وقد حرص حكام الدولتين الأموية والعباسية على تكريس تلك المفاهيم بين شعوبهم ووجدوا من يعطيها الغطاء الديني والسياسي، وقد تجاهل هؤلاء قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم)، كما تجاهلوا الحرية التي أعطاها الله سبحانه للبشر جميعا حتى في الحرية الدينية، قال تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ولهذا فالقبول بأي نوع من أنواع العبودية لا يتفق مع أبسط قواعد الإسلام ويتنافى مع كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية التي كفلها له الدين - كل الأديان - وكذلك القوانين البشرية.
الأوروبيون في القرن الخامس عشر عرفوا مبدأ العبودية للحاكم ؛ فظهر عندهم ما سمي بـ (الحق الإلهي) الذي رعاه الكهنة ودافعوا عنه بقوة، وقد اعتمد عليه بعض ملوك أوروبا في استعباد شعوبهم، ومن هؤلاء الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا، والملك تشارلز الأول ملك بريطانيا، فقد كان لهما سلطة مطلقة ولم يكن للشعب أي حق في مناقشتهما في أي شيء!! ولكن هذه العبودية انتهت بعد الثورة الفرنسية كما انتهت معها سلطة رجال الدين الذين كانوا يمهدون للحكام ويسوغون لهم كل أنواع الظلم والاستبداد ويلبسونه لباس الدين والتقوى.
ذهب رجال الدين في أوروبا وذهبت معهم أكاذيبهم لكن الإعلام الهابط وفي كل أنحاء العالم حل محلهم وقام بمهنة الكذب والتدليس وصنع شخصيات مقدسة لا تقبل النقد ولا المناقشة، وحاولوا إقناع الشعوب أن تلك الشخصيات هي هبة من الله لهم، وأن عليهم شكر الله على تلك النعم والقبول بها والرضى وبكل فرح وسرور، ونجح الإعلام مرة وأخفق مرة أخرى لكن العبيد هنا أو هناك أثبتوا أنهم حاضرون وبقوة وأنهم سعداء بتلك العبودية التي تملأ جوانحهم وقلوبهم.
الواضح أن المجتمعات التي تقبل العبودية هي مجتمعات لا حياة فيها، وأنها عاجزة عن بناء أي لون من ألوان الحضارة، كما أنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها أو غيرها، وهذا الواقع ليس مستغربا على المستعبدين فهؤلاء ليس لهم قدرة على العمل والإنتاج العلمي والعملي وإنما كل ما يمكنهم القيام به هو خدمة أسيادهم وتنفيذ مطالبهم والتسبيح بحمدهم!!
إن أسوأ أنواع الاستعباد هو ذلك النوع المغلف بالدين ؛ فالمستعبد في هذه الحالة يتلذذ بعبوديته، ويتقرب إلى ربه بفعلها، وينقلها إلى أولاده وأحفاده! والأسوأ من ذلك أن هذا النوع من العبيد هو الذي يسهم في خلق معبوده ويمده بطاقة القوة والبقاء وممارسة سلوكه الاستبدادي ضد شعبه.
رأينا حكاما يمتطون ظهور ورؤوس شعوبهم وسط تصفيق هذا الشعب وفرحه، ورأينا شعوبا تقبل أيدي وأرجل حكامهم وربما ركبهم في بعض الأحيان، وأيضا كانوا سعداء بهذا العمل!! وهناك أنماط متعددة من هذا النوع من العبودية يظهر في بعض الدول وبمباركة من الحكام وكهنتهم وإعلامهم.
العبيد لم ينفعوا أنفسهم ولن ينفعوا حكامهم قطعا ولهذا فمن مصلحة المجتمعات الحية أن تنفي خبثها وأن تحافظ على أصالتها كي تكتب لها الحياة الحقة ولكي تعيش إنسانيتها كما أراد الله لها أن تعيش، أما العبيد فهم في مزبلة التاريخ وسيبقون فيها حتى تعود لهم إنسانيتهم.
الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن... اقرأ المزيد
2805
| 30 ديسمبر 2014
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1621
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2948
| 16 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11679
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3717
| 22 أكتوبر 2026