رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في تصوري أن ما استطاع الشعراء العظماء أن يحققوه من نفاذ إلى أعماق الإنسان في كل زمان ومكان، ينبغي أن يذكرنا دائما بأن الشجرة المثمرة العملاقة كانت في البداية مجرد بذرة صغيرة، وعلينا- من هذا المنطلق- أن نعود إلى تلك البذرة الصغيرة، وأن نتعرف- بالتالي- على ما تحمس هؤلاء الشعراء العظماء لقراءته عندما كانوا أطفالا صغارا، وهنا ينبغي أن نتوقف عند الينابيع الشعرية العربية وغير العربية التي نهل منها هؤلاء جميعا، لكن علينا- قبل التوقف عند هذه الينابيع- أن نقتطف هذه الفقرة المهمة والدالة من كتاب ممتع ورائع للشاعر العظيم صلاح عبد الصبور، وهو كتاب حياتي في الشعر، حيث يقول في هذه الفقرة: إن الفنان يولد في الفن، ويعيش فيه، ويتنفس من خلاله. وكل فنان لا يحس بانتمائه إلى التراث العالمي، ولا يحاول جاهدا أن يقف على أحد مرتفعاته فنان ضال. وكل فنان لا يعرف آباءه الفنيين إلى تاسع جد لا يستطيع أن يكون جزءا من التراث الإنساني، وهو في الوقت ذاته لا يستطيع أن يحقق دوره كإنسان مسؤول في هذا الكون.
لو أننا انطلقنا من هذا الإطار النظري الشامل الذي حددته تلك الفقرة، لكي نطبقه بشكل عملي على الشعراء العظماء وعلى عطائهم الشعري الذي أبدعوه خلال مسيرة كل منهم مع الحياة ومع الفن، فلا بد أن نتوقف عند عدد من آبائهم الفنيين حتى تاسع جد، بشرط أن ندرك أنهم قد تأثروا أو أعجبوا ببعض هؤلاء الآباء الفنيين تأثرا عابرا وسريعا خلال مرحلة تكوينهم الشعري المبكر، كما تأثروا بآخرين من هؤلاء الآباء الفنيين، ونهلوا من ينابيعهم الشعرية بصورة عميقة خلال مرحلة ما بعد التكوين واتضاح الرؤية والطريق أمامهم.
حين نتحدث عن الشاعر العالمي توماس ستيرنز إليوت، لابد أن نعرف أنه بمثابة أب فني لشعراء كثيرين من شعراء العالم، ممن عايشوا فظائع الحرب العالمية الثانية، فقد تأثروا به بشكل أو بآخر، وعلى سبيل المثال فإني حين زرت اليابان سنة 1998 أجريت حوارات مع عدة شعراء يابانيين، ووجدتهم يشيرون إلى مدى تأثرهم بإليوت، بل إن أحدهم وهو الشاعر متسؤو تاكاهاشي أكد لي أنه لم يتأثر بشعر إليوت فحسب، وإنما جاراه- بشكل عملي- في رفض الحضارة الغربية الزائفة، حيث شيد لسكناه بيتا منحوتا في جبل، تحف به الخضرة والأشجار الرشيقة العالية، ويطل مباشرة على المحيط الهادئ، ومن الطريف أن هذا الشاعر الياباني قد أصر على أن يكون لقائي معه في بيته الجبلي، لأنه لا يحب طوكيو التي تنهج نهج الحضارة الغربية الزائفة!
إذا ابتعدنا عن اليابان وعن شعرائها الذين تأثروا بإليوت، واقتربنا من حدود أرضنا المشرقية العربية، فلا بد أن نشير إلى الشاعر الإيراني أحمد شاملو الذي يبدو تأثره بإليوت تأثرا واضحا وجليا، فهذا الشاعر الكبير هو رائد الشعر الحر في إيران، وقد ولد في طهران سنة 1925 قبل أن يولد اثنان من رواد الشعر الحر العرب بسنة واحدة، حيث ولد كل من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي سنة 1926 وكما كان السياب عضوا في الحزب الشيوعي العراقي واعتقل عدة مرات، فكذلك كان أحمد شاملو عضوا في حزب توده الشيوعي الإيراني، واعتقل سنة 1943 ولم يفرج عنه إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد رحل أحمد شاملو عن عالمنا يوم 23 يوليو سنة 2000 وله قصائد عديدة مترجمة من الفارسية إلى لغتنا العربية الجميلة، بما يتيح للمهتمين من الباحثين أن يعقدوا مقارنات نقدية بين حركتي الشعر الحر في كل من إيران وأقطار أرضنا العربية.
وفيما يتعلق بساحتنا الأدبية العربية، فإننا نلاحظ مدى الاهتمام المتحمس بإليوت، وقد كان الناقد الموسوعي الكبير الدكتور لويس عوض هو الرائد الأول في ترجمة العديد من قصائده الشهيرة، وهي القصائد التي نشرها متتابعة في مجلة الكاتب الشهرية المصرية ابتداء من العدد الثاني الذي صدر في شهر مايو سنة 1961 ويضم هذا العدد ترجمة لقصيدة الرجال الجوف الشهيرة، وقد تتابع مترجمو إليوت بعد لويس عوض، وأذكر منهم الدكتور فائق متى والدكتور ماهر شفيق فريد والدكتور عبد الواحد لؤلؤة. أما الشاعران العربيان اللذان تأثرا بإليوت أكثر من غيرهما فهما بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور، ولهذا فإننا نجد عدة دراسات متخصصة، تتناول هذه القضية، أذكر منها دراسة مهمة وإن كانت متحيزة للسياب، هي دراسة الدكتور محمد شاهين الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت سنة 1992 وهي بعنوان إليوت وأثره على عبد الصبور والسياب، ومن الطريف أن أشير هنا إلى أن السياب يبدو متذبذبا في الألقاب أو الصفات التي كان يضفيها على إليوت على ضوء تقلباته السياسية، حيث وصف إليوت بأنه الشاعر الرجعي عندما كان عضوا في الحزب الشيوعي العراقي، ثم وصفه بعد ذلك بأنه شاعر العصر العظيم عندما تخلى عن هذا الحزب، بينما نجد أن إليوت ظل يحظى بكل صفات التكريم والتقدير من جانب صلاح عبد الصبور في حواراته وفي كتاباته عنه، لأن موقفه منه كان منطلقا من حس فني، وليس مرتبطا بموقف سياسي.
هذا الذي قلته يعني أن السابقين يؤثرون في اللاحقين، وهذا ما نرصده في كل مجالات الحياة، حيث ينبثق كل جديد مما سبقه، حتى وإن ادعى المدعون غير ذلك!
الوهم الجميل
أُحبّ الغناءَ الذي يفتح البابَ للحب في ليلة راكدةفيحلو التنهد.. يحلو التجدد بعد التجمدِ.. تصحو الحياةوتهدي لمن يعشقون... اقرأ المزيد
1529
| 17 يوليو 2014
لو بالإمكان
تتكرر أيامٌ .. وتغوص بغيرِ رثاء في هاوية الزمن السوداءتتكرر ليلاتٌ، يقتل فيها من يقتل، أو يسهر من... اقرأ المزيد
1084
| 10 يوليو 2014
الأنا وحدها لا تصنع ما نريده لنا
ما عدوك إلا ابن كارك .. هذا مثل شعبي مصري، معناه أن أبناء المهنة الواحدة لايحبون بعضهم، والحقيقة... اقرأ المزيد
1721
| 19 يونيو 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1188
| 01 أكتوبر 2026