رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل هناك ما هو أروع وأجمل من أن تجد طلبك، أو حاجتك تتحقق فوراً دون أي تأجيل، أو وعود، أو تسويف؟ لا شك أن المسألة لن تكون محسوسة لمن لم يمر بالتجربة، أو الموقف الذي أتحدث عنه. لكن من خاضها، أو مر بها في حياته، سيدرك تماماً ما أتساءل بشأنه وحوله.
وحتى لا أطيل في المقدمة، لنتأمل الموقف التالي..
حين كان النبي الكريم موسى عليه السلام في حضرة ربه تبارك وتعالى بالوادي المقدس طوى، تلقى أمراً للقيام بمهمة ليست كأي مهمة.. (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ) ولكن لماذا فرعون فقط، مع أنه نبي مرسل للكل؟ السبب أنه طغى وخرج عن الحد. فقد ادعى الألوهية وتكبر وكان متبوعاً، فكان ذكره أولى، كما يقول الفخر الرازي في تفسيره.
يقول التابعي الجليل وهب بن منبّه في هذه الجزئية: «قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإنّ معك يدي وبصري، وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري.
أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، فبلغه عني رسالتي، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا).
لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي... وبقية كلام طويل.
قال: «فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم.
ثم جاءه ملكٌ فقال: أجب ربك فيما أمرك بعبده».
المهمة الصعبة
إذن المهمة ليست سهلة. إنه فرعون الطاغية الذي عاش في قصره منذ أن كان وليداً حتى شب وترعرع. ثم فر من المدينة بعد أن ارتكب ذنباً كبيراً بقتل أحد أتباع فرعون، فهو اليوم مطلوب دون شك، ويخشى إن عرف القوم بأمره أن يقتلوه. أضف إلى كل ذلك، صار هذا الفرعون يدّعي الألوهية، والناس تطيعه وتتبعه، وليس من السهل أن يستمع إلى شخص مثلي، يعرف كل تفاصيلي.. هكذا كان لسان حال موسى عليه السلام..
لكن يتنبه موسى عليه السلام أنه بحضرة ملك الملوك، جبار السموات والأرض، الذي إن أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.. وبالتالي لم هذه الخشية، بل بدلاً من ذلك، لم لا يطلب منه سبحانه ما يعينه على أداء المهمة بالشكل المطلوب؟ ها هنا تبدأ طلبات وحاجيات موسى عليه السلام تنهال، بل ولم لا تنهال ويعرضها، وهو في حضرة أكرم الأكرمين؟
بدأ بالحاجات الشخصية، فكانت الأولى (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) ثم أتبعها بالثانية (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) والثالثة (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). ثم بدأ بالطلبات الخاصة جداً، فكان الطلب الأول غير العادي، الذي لم ولن يطلبه أحد (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي).
إنه بعد أن سأل الله أن يسهل له حاجاته الشخصية التي وجدها ضرورية للسير إلى الفرعون الطاغية، رأى أهمية وضرورة وجود شخص ما يتكامل معه في أداء المهمة، فلم يجد خيراً من أخيه هارون، فصار نبياً. وقد قيل حول هذا الطلب أن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري.
قالت: فقلتُ في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه.
قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة.
فقلتُ: صدق والله.
وتقول العامة حول القصة نفسها، بأن أقوى واسطة وتزكية من إنسان لآخر في هذه الدنيا، كانت واسطة، أو تزكية موسى لأخيه هارون عليهما السلام، ليكون وزيراً ونبياً، فكان كما أراد عليه السلام، نعم العضيد والوزير.
اللحظة المدهشة
ها هو ذا الكريم المنَّان لا يُخجل ضيفه، كما يقول صاحب الظلال، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يُغني عن التفصيل. وفيها إنجاز، لا وعد ولا تأجيل.. كل ما سألته أعطيته. أعطيته فعلاً. وفيها مع الإنجاز، عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه (يا موسى) وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال، اسم عبد من العباد؟
هكذا هو شأن الدعاء حين تكون في حضرة الكريم المنان.
سل تعطه، كما جاء في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم مر مع صاحبيه أبي بكر وعمر على عبد الله بن مسعود، وكان قائماً يصلي، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد». ثم جلس ابن مسعود يدعو الله، فأثنى على ربه وحمده، فأحسن في حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: «اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد».
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه».
فقال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه..
فذهبت إليه فوجدتُ أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني بالبشرى.
فقلت له: يا أبا بكر، والله إنك لسبَّاق في الخير دائماً.
فاللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين، تقبَّل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبِّت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا.
اللهم آمين.
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات... اقرأ المزيد
174
| 09 فبراير 2026
التعليم غير النظامي.. أداة ناعمة لصناعة النفوذ
لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، العالم... اقرأ المزيد
186
| 09 فبراير 2026
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً بـ «التليفون»، مجرد وسيلة اتصال صِرفة كما كان في عهد... اقرأ المزيد
288
| 09 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
2718
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
972
| 04 فبراير 2026