رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

15

فاطمة العتوم

قبل أن يدق الجرس... هناك ما هو أهم

29 أغسطس 2026 , 11:24م

اليوم يدق الجرس، فتفتح المدارس أبوابها، وتمتلئ الممرات بخطوات الطلاب، وتعود الفصول إلى مقاعدها، وتبدأ سنة دراسية جديدة. حقائب جديدة، ودفاتر مرتبة، وملابس مدرسية، وجداول أُعدّت بعناية، ومناهج تنتظر أن تبدأ رحلتها. كل شيء يبدو مستعدًا.

لكن هل نحن مستعدون لما هو أهم؟

الطالب نفسه.

ليس الطالب الذي يحمل حقيبته ويدخل من بوابة المدرسة، بل الإنسان الذي يقف خلفها.

ماذا تغيّر فيه خلال الإجازة؟ ماذا حمل معه إلى المدرسة غير كتبه؟ هل عاد أكثر ثقة بنفسه، أم أكثر قلقًا؟ هل اكتشف موهبة جديدة؟ هل فقد صديقًا؟ هل مرّ بتجربة جعلته ينظر إلى نفسه أو إلى الآخرين بطريقة مختلفة؟

أسئلة قد لا تظهر في أي جدول دراسي، لكنها قد تحدد كيف سيقضي الطالب عامًا كاملًا.

فنحن كثيرًا ما نستعد للعام الدراسي وكأنه موعد على التقويم: نجهز الفصول، نرتب الجداول، نوزع الكتب، ونبدأ المنهج. وكأن الطالب الذي يعود إلى المقعد نفسه هو الطالب ذاته الذي غادره قبل أشهر.

لكنه ليس كذلك.

فالطفل والمراهق لا يتوقفان عن النمو لأن المدرسة أغلقت أبوابها. وقد تكون الإجازة قصيرة في التقويم، لكنها طويلة بما يكفي ليعود الطالب بأفكار جديدة، واهتمامات مختلفة، وأسئلة لم تكن لديه من قبل، وربما بمخاوف لا يعرف كيف يضعها في كلمات.

وهنا تكمن مسؤولية المدرسة الحقيقية: أن تستقبل الإنسان الذي تغيّر، لا أن تبحث فقط عن الطالب الذي تتذكره.

لذلك، ربما آن الأوان أن نعيد صياغة سؤال البداية.

ليس: ماذا سنعلّم أبناءنا هذا العام؟

بل: ماذا نحتاج أن نعرف عنهم أولًا؟

فالمعلم قد يشرح الدرس بإتقان، ويلتزم بالخطة، ويستخدم أحدث الوسائل، لكنه لن يصل إلى الطالب كاملًا إذا لم يرَ الإنسان الذي يقف أمامه.

قد يكون الطالب الهادئ ليس ضعيفًا، بل خائفًا من الخطأ.

وقد يكون كثير الحركة لا يفتقر إلى الانضباط، بل يبحث عن مساحة تستوعب طاقته.

وقد يكون الطالب المتفوق الذي نفرح بدرجاته أكثر من غيره بحاجة، هو الآخر، إلى من يسأله: هل أنت بخير؟

نحن أحيانًا نعرف نتائج أبنائنا أكثر مما نعرف أبناءنا.

نعرف درجاتهم، وترتيبهم، ونسبة حضورهم، وعدد الملاحظات المسجلة عليهم؛ لكن هل نعرف ما الذي يشعل فضولهم؟ ما الذي يطفئ ثقتهم؟ متى يشعرون أنهم قادرون؟ ومتى يشعرون أنهم غير مرئيين؟

لا يعني ذلك أن نتخلى عن الانضباط أو التحصيل أو التوقعات العالية. على العكس، المدرسة الجادة هي التي تعرف كيف تجمع بين صرامة التوقعات ودفء التعامل؛ بين محاسبة الطالب على أدائه، ومساعدته على فهم أسباب تعثره.

فالدرجة تقيس إجابة في اختبار، لكنها لا تقيس شغفًا، ولا فضولًا، ولا قدرة على النهوض بعد الفشل.

وفي زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، لم يعد المعلم مجرد مصدر للمعلومة. قيمته الأهم أن يساعد الطالب على أن يسأل، ويفكر، ويميز، ويكتشف، وأن يحول المعرفة من معلومات محفوظة إلى قدرة يعيش بها.

ولهذا، فإن أول يوم دراسي لا ينبغي أن يكون سباقًا للوصول إلى أول صفحة في الكتاب.

ربما يكون الأهم أن يشعر الطالب بأن المدرسة ليست مكانًا يُقاس فيه كل يوم، بل مكانًا يُرى فيه، ويُسمع، ويُمنح فرصة للنمو.

فحين يدق الجرس، لن يدخل إلى الفصل كتابٌ فقط، بل سيدخل إنسان يحمل قصة لا نعرفها كاملة.

فلنسأل قبل أن نسأله عن واجبه ودرجته:

من هو الطالب الذي عاد إلينا اليوم؟

لأن المدرسة التي تعرف طلابها تستطيع أن تعلّمهم، والمدرسة التي تمنحهم الأمان والانتماء تجعلهم أكثر استعدادًا للتعلم والمحاولة والنجاح.

وقبل أن يدق الجرس…

وقبل أن نفتح الكتب…

هناك ما هو أهم.

أن نفتح أولًا مساحة للإنسان. فالإنسان أولاً

ثم نبدأ التعليم.

مساحة إعلانية