رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

573

م. حسن الراشد

التعليم.. قراءة من خارج الإطار التربوي

22 يناير 2026 , 03:29ص

لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا في المناهج التعليمية، ولا أدّعي امتلاك ناصية العلوم التربوية أو أدواتها؛ بل أعترف ـ بكل تواضع ـ بأن سموَّ مهنة التعليم وعمقها يتجاوزان حدود إمكاناتي المتواضعة.

غير أن ما يدفعني للكتابة هو حصيلة تجربة حياتية ومهنية امتدت لثلاثة عقودٍ ونيف في مجالات الإدارة والمشاريع والصناعة داخل الوطن وخارجه، تخللها احتكاك مباشر بقيادات ومسؤولين في شركات عالمية. ويُضاف إلى ذلك معايشة واقعية لنظامين تعليميين مختلفين: نظامٍ قديمٍ عاصرته بكل صرامته وشحّ إمكاناته، ونظامٍ حديثٍ أعايشه اليوم من خلال رحلة أبنائي التعليمية، وصولًا إلى تخرّجهم وانخراطهم في معترك الحياة العملية وتحدياتها.

لقد كان النظام التعليمي القديم ـ رغم محدودية أدواته ـ نظامًا صارمًا ومُثقلاً بالمناهج، يرتكز على الحفظ المكثف وتكديس المعلومات؛ حتى غدت الحقيبة المدرسية عبئًا ماديًا وفكريًا، وسادت ثقافة «النجاح والرسوب» على حساب الفهم والتحليل والتعبير.

أما النظام الحديث، فقد جنح في كثير من نماذجه إلى «النجاح المضمون»، والمبالغة في الدرجات المرتفعة والشهادات التقديرية، دون رؤية واضحة للأهداف التعليمية أو المخرجات القابلة للقياس. وكانت النتيجة في الحالتين ـ من وجهة نظري ـ مخرجاتٍ لا ترتقي إلى حجم الطموحات، ولا توازي الموازنات المالية الضخمة المخصصة لها؛ وهو ما تتجلى آثاره لاحقًا في المرحلة الجامعية، ثم تظهر الفجوة بشكلٍ أعمق عند مواجهة متطلبات سوق العمل.

وفي هذا السياق، أطرح مجموعة من التساؤلات لعلها تكون مشروعة، كنوعٍ ـ كما يُقال ـ من «التفكير خارج الصندوق (Thinking outside the box)»:

1. هل الامتحانات الفصلية بجميع أشكالها ضرورة حقيقية تعكس مستوى وقدرات الطالب العلمية والإبداعية، أم أنها أصبحت غاية بحد ذاتها؟

2. هل الحضور والغياب اليومي الروتيني يضمن التحصيل والانضباط، أم أنه إجراء شكلي لا علاقة له بالتحصيل العلمي وبناء الثقة والإبداع؟

3. هل لا يزال الاعتماد على الورق (كتبًا ودفاتر) ضرورة مُلحّة في عصر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ وهل نحن مستعدون لمستقبلٍ ـ ليس ببعيد ـ قد يصبح فيه المعلم «روبوتًا ذكيًا» أو نظامًا برمجيًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة العملية التعليمية؟

4. لماذا يُحصر التعليم داخل أربعة جدران إسمنتية صمّاء؟ ولماذا لا يمتد إلى المكتبات العامة، والمساجد، والرحلات، والمنشآت الرياضية؛ بحيث تصبح المدرسة «مركزًا تعليميًا مجتمعيًا» (Community Hub)، ومنارةً ثقافيةً وتعليميةً ورياضيةً للحي (الفريج) بأكمله؟

5. لماذا تُفرض على الطالب مواد لا تتناسب مع ميوله وقدراته وشغفه وطموحه؟ ولماذا لا يُمنح مساحة حقيقية لاختيار مواده بما يتوافق مع ميوله وقدراته ضمن مسارات واضحة؟

6. هل تضمن المناهج الحالية بناء شخصية متوازنة تعتز بثقافتها ودينها ولغتها وهويتها؟

7. لماذا لا يُمنح الطالب حق اختيار معلمه، كما هو معمول به ـ على سبيل المثال ـ في كثير من الجامعات؟

8. هل ما زالت المدرسة هي المصدر الرئيس للتحصيل العلمي؟ أم أصبح المدرس الخصوصي هو الوعاء الحقيقي للتحصيل؟

9. على أي معايير تُبنى المناهج التعليمية؟ وهل لا تزال تُصاغ بعقلية «التوظيف الحكومي» التقليدية؟ إن حصر مخرجات التعليم في هذا الإطار الضيق لا يؤدي فقط إلى تكدّس الخريجين، بل يُحوِّل الكادر البشري إلى عبء يُرهق كاهل الموازنة العامة للدولة، ويُعمّق فجوة العزوف عن القطاع الخاص.

10. هل عزوفنا عن زيارة المكتبات العامة مرتبط بالنظام التعليمي؟ ولماذا لا تُنشأ مكتبات داخل المجمعات التجارية أو الفضاءات المجتمعية؟

11. هل أصبح دور المدرسة مجرد ملء وظائف إدارية، أم أنها منارة لنشر الثقافة والعلم والمعرفة؟

12. هل يُعدّ الرفاه الاقتصادي و«بحبوحة العيش» للمجتمع عائقًا غير مباشر أمام تطوير المناهج التعليمية؟

13. لماذا لا يتم التنسيق مع القطاع الخاص والشركات والهيئات لتخصيص زوايا تعليمية للأطفال في المجمعات التجارية والحدائق، كجزء من المسؤولية الاجتماعية (Corporate Social Responsibility)؟

14. لماذا لا تتبنى وزارة التربية والتعليم إستراتيجيةً أسوةً بالنماذج الناجحة في «قطر للطاقة» ووزارة الداخلية؟ وذلك عبر استقطاب المتفوقين من أبنائها واحتضانهم مبكرًا من خلال برامج الرعاية والابتعاث (Sponsorship)، بما لا يضمن فقط سد الفجوة المهنية والإدارية، بل يمثل أداة عملية وفعّالة لتوطين مهنة التدريس في شتى التخصصات؟

15. هل يخضع مديرو المدارس ـ ممن لا يملكون خبرة إدارية أو حتى مالية ـ لبرامج تأهيلية، وفترة «تسليم وتسلم» مبرمجة قبل مباشرتهم العمل؟ إن إدارة المدرسة ـ في نظري ـ أصعب وأعقد بكثير من إدارة الشركات والمصانع؛ لذا يجب ضمان استدامة العمل بحرفية عالية، وتجنب العثرات والأخطاء الناتجة عن نقص الخبرة الإدارية.

«إننا بلا شك نُثمن ونقدّر كافة الجهود المبذولة للارتقاء بالتعليم، ولكن ما أطرحه هنا ليس انتقادًا، بل دعوةٌ لإعادة صياغة العلاقة مع الطالب؛ ليكون هو «محور العملية التعليمية» وهدفها الأسمى. فنحن لا نعدّ طالبًا لمقاعد الدراسة فحسب، بل نُهيئ إنسانًا سيكون غدًا المسؤول والقائد، ورب الأسرة أو ربة البيت، والعنصر الفاعل في نهضة المجتمع؛ لذا فهو يستحق بيئةً قوامها الاحتواء والثقة والدعم، لا الإكراه والضغط والتلقين».

إن إصلاح التعليم يبدأ بتغيير فلسفته الكلية؛ ليصبح الشعار:

«التعلّم من أجل التفكير والتعبير والتدبير… لا من أجل رصد الحضور وتجاوز الاختبار».

وختامًا: فإن أي تطوير للمناهج يجب ألا يظل حبيس الغرف المغلقة للأكاديميين والتربويين وحدهم؛ بل لا بد من بناء «شراكة إستراتيجية» تشمل أولياء الأمور وخبراء سوق العمل، وبالأخص القطاعين الصناعي والخاص؛ لضمان صياغة منظومة تعليمية متكاملة تلبّي احتياجات سوق العمل وتستشرف آفاق المستقبل.

اقرأ المزيد

alsharq مشكلتنا أننا اعتدنا المشهد

تجدونهم إما مع الأب فقط أو مع الأم فقط أو مع الخادمة فقط! قبل أن تتساءلوا عن سر... اقرأ المزيد

93

| 02 فبراير 2026

alsharq لماذا صار «العقل السيبراني» ضرورة في علاقاتنا؟

ماذا لو كانت أثمن فضائلنا الإنسانية هي نفسها أخطر نقاط ضعفنا؟ في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمةً خالصة... اقرأ المزيد

60

| 02 فبراير 2026

alsharq عبدالعزيز السريع.. رجل المسرح النبيل

لم يكن خبر رحيل عبدالعزيز السريع خبرًا عابرًا في صباح عادي، بل كان أشبه بانطفاء مصباح قديم اعتدنا... اقرأ المزيد

75

| 02 فبراير 2026

مساحة إعلانية