رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم وقد تغيرت أوضاع بلدان عربية كثيرة كانت أنظمة الحكم فيها تلاحق خصومها و تضطهدهم أجد من واجبي أن أسرد على الشباب بعض ذكريات المنافي التي عانيناها و لكن بما فيها من نوادر أيضا ومن آيات الله سبحانه أن كتب لبعضنا نحن المنفيين العرب أن نشهد و نحن أحياء تطبيق الله لوعده الحق بأن ينصر المستضعفين و يرفع عنهم المظالم و أن يجازي الظالمين بما ارتكبوا سبحانه العدل الحق لا ملجأ إلاه و لا مغيث سواه.
الدروس التي تعلمتها من سنوات المنفى الخمس عشرة(1986-2000) كانت لي أفضل و أنفع من سنوات الدراسة بالمدارس و الجامعات، و أبلغ تأثيرا من بعض المسؤوليات التي تحملتها هنا و هناك على مدى السنوات، وهي تأكيد لما قاله الله تعالى :" و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون " و نفس معاني هذه الآية الكريمة أبدع الشاعر العربي أبو تمام تلخيصها في بيت واحد من الشعر حين قال:
قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت و يبتلي الله بعض الناس بالنعم
و حين أرى الإخوة السوريين اليوم يغادرون وطنهم الذي كان في الزمن الزاهر يؤوي الملتجئين إليه، أقول لعل في ذلك خيرا مؤقتا حتى تنجلي الغمة عن بلاد الشام فقد طالت.
و لي مع المنفيين العرب و المسلمين، زملائي في محنة المنفى نوادر و قصص سجلتها في كتاب (ذكريات من السلطة إلى المنفى) صدر عام 2005 في عز الاستبداد لا بعد رحيل السلطان الجائر. ليس فيه لا غضب و لا حقد ما عدا الحقيقة كما يعيشها المقطوعون عن أوطانهم، التي هي بالضرورة حقيقة ذاتية لا تدعي لا الموضوعية و لا العصمة. و من هذه النوادر أن رفيق المنفى د. محمد مخلوف المفكر السوري التقى أحد أصدقائه القدامى الذي ظل في بلاده و ارتقى إلى منصب رفيع، و بعد السلام و طيب الكلام، قال المسؤول للمنفي عن حسن نية وسلامة طوية:
:" بالله يا محمد لا تمت في المنفى الفرنسي و لو قدر الله و وافاك الأجل هنا فاترك وصيتك بأن تدفن في وطنك " و بابتسامته اللطيفة المعهودة أجاب الدكتور:" نريدها أوطانا لنا لا مقابر".
و من النوادر الأخرى التي عشتها، كنا نجلس جماعة المنفيين العرب ( على وزن المقاولين العرب!) في مقهى (دوفيل) على جادة الشان زيليزي بباريس مغرب كل يوم، نتطارح أنباء الوطن العربي و نتبادل التواصي بالصبر، و كان من بين المرتادين شيخ المنفيين محمد الفقيه البصري الذي عاد للمغرب بعد ما يقارب الأربعين حولا، ثم لم يعش طويلا فتوفاه الله في وطنه، و التحق بالمنفيين بعض الوجوه المعروفة أمثال الفريق سعد الدين الشاذلي أحد أبطال مصر و ذلك بصورة مؤقتة قبل أن يحل الرئيس مبارك مشكلته، و كذلك رئيس حكومة تونس الأستاذ محمد مزالي و الوزير القوي في الستينات بتونس أحمد بن صالح. و في يوم من الأيام جاءنا أحد الإخوة الليبيين وهو من أفضل المثقفين الليبيين و أكثرهم شهادات عليا و إنتاجا علميا، و قدمه لنا أحد أصدقائنا بقوله :" أقدم لكم أحد الكلاب الضالة.! " و ظللنا نضحك أياما على هذا التقديم العجيب، فعبارة "الكلاب الضالة" أطلقها النظام الليبي البائد على معارضيه في الثمانينات بل و كانت العبارة هي المصطلح المستعمل في وسائل الإعلام الليبي الرسمي!. و لله في خلقه شؤون.
كما انضم للجماعة مؤقتا أيضا و بمحض اختياره د.أحمد طالب الإبراهيمي نجل أحد أبرز العلماء و مؤسسي جمعية العلماء الجزائريين الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رفيق كفاح الشيخ عبد الحميد ابن باديس، و كذلك الرفيق في المنفى رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق و أحد أبرز علماء الاقتصاد الإسلامي عبد الحميد الإبراهيمي. و نلتقي أحيانا برئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق أبو الحسن بني صدر الذي عرفته شخصيا عام 1978 أيام مخاض الثورة الإيرانية في باريس و معه صادق قطب زادة الذي أصبح وزير خارجية في مرحلة قيام الجمهورية ثم حكم عليه آيات الله بالإعدام و تم إعدامه رحمة الله عليه، و كنت في تلك الأيام الباردة بباريس أعد رسالة الدكتوراه لجامعة السربون حول الإسلام السياسي وأزور آية الله الخميني للاستفادة علميا و استكمال الرسالة، و ذلك في منفاه الأخير بقرية \\ نوفل لو شاتو في ضواحي باريس، ثم قابلت بني صدر عام 1982 حين هرب من الإعدام و استقر في بيت شقيقه بقرية \\ أوفر سير واز بفرنسا ولمست الدروس القاسية التي تعلمها الرجل من المأساة.
و نعود للنوادر المضحكة المبكية التي كانت مع الأسف تشهد على مدى التخلف السياسي و الحضاري الذي عانيناه في غياب الرأي المخالف، فقد جاء أحد الإخوة المحامين العرب المنفيين ذات يوم إلى المقهى و معه رجل أوروبي طويل القامة عريض المنكبين أشقر الشعر، تعلو محياه ابتسامة لطيفة، فجلس بيننا كأنما تربطه بنا علاقة مودة قديمة، و شعرنا بأن الضيف الكريم يعرفنا عز المعرفة و يسأل عن أحوالنا و يتطلع إلى أخبار أوطاننا، ثم فوجئنا و اندهشنا حين قدم لنا صديقنا ضيفه ضاحكا قائلا:" أقدم لكم السيد (رايمون كندال) مدير منظمة أنتربول (مقر المنظمة في مدينة ليون الفرنسية ) وهو المكلف بالتفتيش عنكم في حال مطالبة دولكم بجلبكم و المسؤول عن توصيل البضاعة مكلبشة إلى أرض الوطن! " و بالطبع كان الرجل كذلك لكن بلا اقتناع بأن هذه النخبة من المثقفين و رجال الدولة المغضوب عليهم مؤقتا هي ممن تجري عليهم إجراءات إنتربول و من عتاة المجرمين، و ضحكنا وضحك الرجل معنا وهو المفترض أن يعتقلنا لكنه فضل الحديث معنا و المتعة في مؤانستنا و التخفيف من بلاوينا. و شرب معنا قهوة على نخب الأوطان المقهورة والطاقات المهدورة.
فقدان إسرائيل السند تلو السند
حينما تكتب (واشنطن بوست): مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس... اقرأ المزيد
189
| 20 أغسطس 2026
الأهداف الإستراتيجية لمعاهدة مكة المكرمة
وقَّعت السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة 7 أغسطس الجاري اتفاقية دفاع مشترك، تنص على أن أي هجوم تتعرض... اقرأ المزيد
252
| 13 أغسطس 2026
عصر الهجرات الكبرى
في سنة 1987 أصدر العالم (ألفريد سوفي) المتخصص في الأنتروبولوجيا (علم الاجتماع وانتقال الشعوب) كتابه الشهير بعنوان: أوروبا... اقرأ المزيد
207
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4752
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026