رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

90

د. أحمد القديدي

عصر الهجرات الكبرى

06 أغسطس 2026 , 11:08م

في سنة 1987 أصدر العالم (ألفريد سوفي) المتخصص في الأنتروبولوجيا (علم الاجتماع وانتقال الشعوب) كتابه الشهير بعنوان:

أوروبا ضحية الطوفان البشري بعد ثلاثين عاما

L Europe submergee dans 30 ans

Alfred sauvy

وفي حينها تكاثرت كتابات النقاد وأغلبها تتهم (ألفريد سوفي) بالتوهم والغرق في أحلامه معتقدين طبعا أن أوروبا محصنة بحدودها المحروسة وبالتشريعات التي سنتها حينئذ بتأسيس (مجموعة شنغن) وفات هؤلاء أن (سوفي) عزز أطروحاته بواقع: تقلص الولادات في أوروبا مما يتسبب في شيخوخة السكان مقابل تزايد مهول في الولادات جنوب البحر الأبيض المتوسط وخاصة في القارة الافريقية السمراء. وهنا يستخلص صاحب الكتاب أن الدفع البشري القوي سيحرك الشباب الافريقي نحو الشمال بلا اعتراف بالحدود أو القوانين وها نحن اليوم سنة 2026 نعيش أحداث سبتة ومليلية في المملكة المغربية حيث هجم طوفان بشري (يقدر بستين ألف شاب وشابة) على الأسلاك الشائكة في المدينتين التابعتين لأوروبا ولكنهما موجودتان على الأرض المغربية... بإحدى غايتين: إما العبور من المدينتين الى دول الاتحاد الأوروبي الموقعة على اتفاق (شنغن) أو الاستقرار في إحدى المدينتين والتمتع بكل حقوق المواطن الأوروبي.. وفي نفس السياق تتمثل الاتفاقية التي وقّعها الرئيس التونسي قيس سعيّد مع رئيسة الحكومة الإيطالية (جورجيا ميلوني) ورئيسة المفوضية الأوروبية (أو رسولا فون دير لاين) في تعزيز التعاون للحد من الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، من خلال دعم جهود تونس في مراقبة حدودها البحرية ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، مقابل تقديم مساعدات مالية واقتصادية وفنية من الاتحاد الأوروبي. كما جاءت الاتفاقية في ظل تزايد تدفق المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء عبر الصحراء إلى الجزائر ثم تونس، قبل محاولة العبور بحراً إلى إيطاليا وأوروبا، بهدف تقليص هذا المسار والحد من الهجرة غير الشرعية نحو القارة الأوروبية. ولا ننسى المسار التركي أحد أبرز طرق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حيث يحاول المهاجرون الوصول من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية عبر بحر إيجه باستخدام قوارب صغيرة، أو عبور الحدود البرية نحو اليونان وبلغاريا. ويستخدم هذا المسار مهاجرون ولاجئون من دول آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، رغم تشديد الرقابة الأمنية والتعاون بين تركيا والاتحاد الأوروبي للحد من الهجرة غير النظامية، مما جعل الرحلة أكثر خطورة وكلفة مع استمرار نشاط شبكات تهريب البشر. ولم تقتصر الهجرات الكبرى على شمال إفريقيا وتركيا، بل إن العدوان الإسرائيلي يتواصل ليلًا نهارًا لاستهداف المدنيين وعمال الإغاثة والطواقم الطبية في قطاع غزة ضمن حربه المتواصلة بلا هوادة على القطاع الفلسطيني المحاصر والمدمّر وهكذا أصيبت فلسطين بنفس كارثة التهجير

ونستخلص نحن من هذه الهجرات الكبرى أنها تشكل ليس فقط ظاهرة تمس شمال افريقيا بل تمتد الى العالم بأسره بدءا بالحدود بين المكسيك و الولايات المتحدة التي تُعدّ من أكثر مسارات الهجرة غير الشرعية نشاطاً في العالم، حيث يحاول آلاف المهاجرين سنوياً عبور الحدود هرباً من الفقر أو العنف أو بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل في الولايات المتحدة. ويتم العبور غالباً عبر الصحراء أو الأنهار أو بمساعدة شبكات تهريب البشر، في ظل تشديد الإجراءات الأمنية الأمريكية وبناء الحواجز الحدودية، مما جعل هذه الرحلات أكثر خطورة وأدى إلى وقوع العديد من الحوادث والوفيات. ولعلنا نكتشف أغوار الهجرات الكبرى حين نقرأ في أخبار واشنطن وطهران وتل أبيب تلك المواقف المتقلبة من الضد للضد (سنضرب) لا (سنترك باب المفاوضات مفتوحا). وتفقد الجماهير البوصلة فتغادر مساكنها للجوء الى خيام في مهب الريح. نفس الضياع في لبنان حيث نجد موقفا مؤقتا للرئيس جوزيف عون وثانيا لرئيس البرلمان نبيه بري وثالثا لمتحدث باسم حزب الله نعيم قاسم...! وتتأرجح المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل في واشنطن بين اتفاق وإلغاء اتفاق ثم في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالعاصمة الإيطالية روما. وبهذا التشرذم تحول اللبنانيون الى لاجئين فانضموا الى قوافل المهجرين الآخرين الذين عددنا بعضهم في هذا المقال. في نفس السياق نشهد محاولة المنظمة الدولية للهجرة وهي منظمة تابعة للأمم المتحدة تسعى الى التنسيق "شبه المستحيل" للهجرات الفوضوية بين الدول المعنية.

مساحة إعلانية