رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس هناك إنسان بكامل عقله في بلدان الربيع العربي يريد للدمار والفوضى والتناحر وسفك الدماء أن يستمر، ولا يمكن لأحد فيه أبسط المشاعر الإنسانية أن يقبل ببقاء اللاجئين والنازحين السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين خارج بيوتهم يعانون شتى أنواع العذاب، ولابد من بذل كل الجهود لإنهاء مأساة الشعوب، خاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، حيث عمل أعداء الثورات في الداخل والخارج على تحويل الربيع إلى جحيم حارق انتقاماً ممن ثار من أجل قليل من أوكسجين الحرية.
لنتفق إذاً على ضرورة إنهاء مأساة الشعوب في تلك البلدان، لكن لابد أن يكون ذلك على أساس عقد اجتماعي جديد كي لا تذهب تضحيات الشعوب ومعاناتها أدراج الرياح، وكي لا تعود الأنظمة الحقيرة التي ثار عليها الناس من النافذة بعد أن أخرجوها من الباب.
إن الذين يتباكون على وضع الشعوب في سوريا وليبيا واليمن والعراق إنما يذرفون دموع التماسيح، وأن الحل السياسي الذي يدعون إليه هو حق يُراد به باطل، فلو كان الحل يـفضي إلى أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة فلا بأس أبداً، لكن الحلول المطروحة هي مجرد ألعاب قذرة مفضوحة هدفها إعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة بحجة وضع حد لمأساتها الحالية. ما الفائدة بربكم أن تعود الشعوب إلى المربع الأول، وكأنك يا بوزيد ما غزيت؟ لا نريد من هذا الكلام أبداً أن نطيل من مأساة الشعوب، لكن علينا أن ننظر إلى تجارب الثورات التي قبلت بالحلول السياسية الكاذبة، فكانت النتيجة وبالاً عليها، كما حدث للشعب الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، لقد ثار الشعب الجزائري لعقد كامل، وقدم مئات الألوف من التضحيات، ثم التف الجنرالات على ثورته بالقتل والإجرام والتجويع والتعذيب والإفقار والإخضاع، فجعلوه يلعن الساعة التي ثار فيها، ويقبل بأي حل يعيده إلى أيام الطغيان الخوالي. وهذا ما حدث فعلاً، فلم يجن الجزائريون من ثورتهم سوى العذاب والتهجير والقتل والجوع والفقر، ثم عادوا مجبرين إلى تحت السلطة التي ثاروا عليها، وتكبدوا أفدح الخسائر المادية والإنسانية بسببها.
للأسف الشديد تبدو بعض الشعوب العربية الآن وكأنها تطبق مقولة المفكر الانجليزي الشهير ألدوكس هكسلي الذي قال يوماً: "الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ". وقد قال آخرون أيضاً إن من ينجز نصف ثورة كمن يحفر قبره بيديه، وهذا ما حصل للجزائريين، ثم حصل من بعد لليمنيين. فبدل أن يمضي اليمنيون بثورتهم حتى ينجزوا مطالبهم، قبلوا بحل سياسي كارثي، فكانت النتيجة أن النظام الذي ثاروا عليه، وتركوه طليقاً، تآمر مع خصومه الحوثيين كي ينتقم من الشعب اليمني. وهاهم الحوثيون وقد أعادوا الثورة اليمنية إلى نقطة الصفر بعد أن انقلبوا على كل أهدافها. ألا يشعر اليمنيون الآن بأن ثورتهم سُرقت، وبأن كل تضحياتهم ذهبت سدى، لأنهم قبلوا بأنصاف حلول سياسية كاذبة؟
وحدّث ولا حرج عن سوريا التي يطالب الكثيرون الآن بإيجاد حل سياسي فيها، مرحباً بالحل السياسي إذا كان سيلبي للسوريين أبسط متطلبات ثورتهم. لكن هل الحل فعلاً سيداوي جراحات السوريين، ويجعلهم يشعرون بأن تضحياتهم الجسيمة لم تذهب أدراج الرياح؟ ألم تصف الأمم المتحدة الوضع في سوريا بأنه أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية؟ هل يُعقل بعد كل ما عاناه السوريون على أيدي أفظع نظام فاش في العصر الحديث أن يقبلوا بحل سياسي يُعيد الشرعية لمن دمر وطنهم وهجّر أكثر من نصفهم؟ أليست وصمة عار في جبين البشرية أن يُعاد السوريون إلى حظيرة الطاعة بحجة أنهم عانوا كثيراً بسبب الثورة؟ ما فائدة الحل السياسي في سوريا إذا سيكون نسخة مفضوحة عن السيناريو الجزائري الذي أعاد الجنرالات إلى الحكم بشرعية جديدة رغم كل ما اقترفوه بحق الجزائريين؟
هل تعلم بشار الأسد ونظامه شيئاً من الكارثة التي ألحقها بالشعب؟ لا أبدا. هل يريد أن ينتقل بسوريا إلى مرحلة جديدة، أم إنه يتوعد السوريين بالويل والثبور وعظائم الأمور فيما لو تمكن من رقابهم مرة أخرى؟ ألم يقل بشار في مقابلته الأخيرة مع البي بي سي إنه لا يتذكر خطأً واحداً اقترفه بحق السوريين على مدى أربع سنوات؟ ألم يستبدل قوانين الطوارئ الرهيبة بقوانين أشد وأمضى، وهي قوانين الإرهاب التي جعلت السوريين يترحمون على قوانين الطوارئ؟ هل يعقل بعد كل من حصل في سوريا من تضحيات أن المخابرات السورية تعتقل الناس، وتعذبهم حتى الموت في السجون لأن بعضهم وضع "لايك" على منشور لمعارض سوري في الفيسبوك؟ هل يعقل أن الإنسان السوري حتى هذه اللحظة يخسر وظيفته لمجرد كلمة قالها ضد النظام الفاشي؟ هل يعقل أن نظام المخابرات القذر يصادر أرزاق السوريين بسبب مقالة أو برنامج تلفزيوني؟ هل سمعتم بشار الأسد على مدى أربع سنوات يتلفظ بكلمة مواساة واحدة بحق خمسة عشر مليون نازح ولاجئ سوري، أم إنه يظهر على الشاشات وهو يقهقه؟ هل سمعتموه يعترف بمسؤوليته عما حدث؟ ألا يعترف القائد الحقيقي بالمسؤولية بصفته المسؤول الأول عن مصير البلاد والعباد؟ أليس من السخف الشديد أن يقبل السوريون بحل سياسي يعيدهم إلى تحت أحذية العسكر وأجهزة الأمن الفاشية التي تتوعدهم بكل أنواع العقاب، فيما لو تمكنت السيطرة على الوضع ثانية؟ انظروا إلى وضع المناطق التي صالحت النظام. ألم يبتزها بلقمة عيشها، ويغتصب أهلها كي يعيدها إلى زريبة الخضوع؟ أليس حرياً بالسوريين أن يعلموا أن النظام الذي استخدم ضدهم كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً سيفعل بهم المزيد فيما لو استعاد شرعيته من خلال حل سياسي؟
أيتها الشعوب الثائرة: هل شاهدت ثورة على مدى التاريخ انتهت بحل سياسي بين الطغاة وشعوبهم، أم بكنس الطواغيت إلى مزبلة التاريخ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2268
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1527
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1149
| 11 أكتوبر 2026