رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعوة إلهية لعباده المؤمنين الصادقين ألا يستسلموا للوهن والحزن الذي نزل بهم في معركة أحد، والاسترسال في ذلك، باعتبارهما أمرين لا يليقان بالمؤمن الصادق، الواثق من ربه. فالحياة مواقف واختبارات، نصيب في بعضها، ونخطئ في بعضها الآخر.
إن دعوته سبحانه تتضمن بشرى طيبة للمؤمن، إذا تماسك ولم يضعف أو ينهار أمام مصائب الدنيا المتنوعة، ولم يدع مجالاً للوهن والحزن الدخول إلى نفسه. تلكم البشرى جاءت في قوله تعالى (وأنتم الأعلون) من العلو والغلبة بإذنه على شرور النفس وشرور الأعداء.
لكن متى يحدث ذلك العلو؟
تورد الآية الكريمة الإجابة الفورية في قوله تعالى (إن كنتم مؤمنين). نعم إن كنتم مؤمنين حقاً - كما في تفسير الوسيط للطنطاوي – ولذلك لا تهنوا ولا تحزنوا، بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء، فإن الإيمان يوجب قوة القلب، وصدق العزيمة، والصمود في وجه الأعداء، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا. والتعليق بالشرط في قوله (إن كنتم مؤمنين) المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى، إذ قد علم الله تعالى أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أُحد، صاروا بمنزلة من ضَعُفَ يقينه، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا، فاتركوا الوهن والحزن، وجدّوا في قتال أعدائكم، فإن سنة الله في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تُصابوا منهم، إلا أن العاقبة ستكون لكم.
هكذا هي تربية القرآن لعباد الله الصادقين الواثقين به سبحانه، الموقنين بنصره ولو بعد حين. إنكم أيها المؤمنون في كل زمان ومكان تواجهون الباطل، وهو غالباً يكون أقوى وأكثر عدداً وعدة، وربما بسبب ذلك التوافق المادي يصيبكم منه أذى وآلام كثيرة، وهو أمر طبيعي منطقي في معارك الحق والباطل، فأنتم أيها المؤمنون الواثقون بالله (إن كنتم تألمون، فإنهم يألمون) لكن الفرق بين فريق الحق وفريق الباطل (وترجون من الله ما لا يرجون). لعل هذا يفسر لم دوماً نفسيات ومعنويات المؤمنين في فرق الحق تعانق قمم الجبال، وتكون هادئة مطمئنة، رغم كل الأهوال والمصائب التي من الممكن أن تنزل بهم، إذ أن العبرة عندهم دوماً بالخواتيم، التي هي حاضرة وواضحة في أذهانه والمتمثلة في نصر من الله وفتح قريب.
من وحي غزوة أحد
كان المسلمون قاب قوسين أو أدنى من نصر ثان مدو على جيش المشركين في غزوة أحد، لكن بعض أخطاء تكتيكية ناتجة عن لوثات حب الدنيا التي أصابت، ساعتها، نفوسا قليلة من الجيش المؤمن، تسببت في تأخير ذلك الانتصار الثاني الحاسم، فانقلبت الأمور وحدث ما حدث، وأصاب الجيش المؤمن نتيجة ذلك بعض الهم والحزن، فثبتهم الله بالآيات التي ذكرناها في بداية هذا الحديث.
تمت لملمة الصفوف سريعاً ولم تبرد أجسام الصحابة الكرام بعد، حيث واصل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - المسير نحو جيش قريش، الذي لم يتبع عادات العرب في الحروب، وهي البقاء في أرض المعركة ثلاثة أيام ، للدلالة على النصر ونشر الهيبة بين القبائل، لكن يبدو أن قادة المشركين يومها كانوا يبحثون عن أي مشهد يبدو لهم فيه بعض النصر، ليذهبوا به إلى ديارهم للتباهي وإعلان الانتصار، فخرجوا من بعد تشتت صفوف المسلمين، وسقوط العشرات منهم شهداء، وظنوا أن المسلمين انهزموا، فأرعبهم خبر مواصلة جيش المسلمين في أثرهم، فما كان منهم سوى مواصلة الطريق نحو مكة، وعدم مواجهة جيش تبدو روحه عالية، رغم جراحاته التي لم تبرأ بعد.. فآثر قادة المشركين العودة والوصول إلى مكة بانتصار جزئي، فهو خير لهم من مواجهة المسلمين تارة أخرى، إذ لا شيء يضمن لهم نصراً جديداً، بل خشيتهم من هزيمة جديدة على غرار بدر كانت تسيطر عليهم، فكان قرار الفرار والعودة وعدم لقاء المسلمين في حمراء الأسد، ومن هنا ذهب كثير من رواة السير أن المسلمين لم ينهزموا في أحد بشكل عام، بل خسارتهم كانت في مشهد واحد من ثلاثة مشاهد، فكأنما ظفروا بمشهدين مقابل مشهد واحد لقريش، وبالتالي معركة أحد هي من المعارك التي ظفر المسلمون بها أيضاً، وعادوا إلى المدينة مرفوعي الرأس أعزة، لم يتركوا مجالاً للمنافقين ويهود المدينة للشماتة.
البحث عن أي انتصار
الهدف من ذكر قصة غزوة أحد في مثل هذه الظروف التي تمر بها الأمة، أن نذكر الإخوة المجاهدين في غزة - ولا أظن أنهم بحاجة لكثير تذكير - لكن من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين. نقول إن ما حدث في مشهد هروب قريش بلقطة فيها بعض النصر على المسلمين، يحاول تقليده الآن العدو الصهيوني عبر الحصول على مثلها، والخروج من مستنقع غزة الذي يكاد أن يغرق فيه تماماً دون الخروج بمشهد واحد يعود به إلى مواقعه، ليقول للناس ها هو النصر الذي وعدناكم به منذ أكثر من ثلاثة أشهر!
تراهم اليوم يبحثون عن أي شيء يخرجون به يشبه نصراً. مرة يتباهون بعثورهم على حذاء السنوار - أعزكم الله - ومرة على مشاهد له من كاميرات مراقبة في نفق من الأنفاق، وهكذا هم في حرص شديد وبحث متواصل عن نصر، أي نصر، كما هم حريصون على حياة، أي حياة.
معركة طوفان الأقصى تكاد تتشابه مع أحد في مشاهد كثيرة. فريقان أحدهما على الحق والآخر على باطل يتقاتلان، والكل يلقي بأسه على الآخر. لكن العبرة دوماً كما يقال بالخواتيم. ومن هنا نقول للإخوة المجاهدين كما قال الله تعالى للصحابة الكرام في أحد من بعد أن حزنوا على مشهد الانكسار واستشهاد العديد من الصحابة، الذي آلمهم كثيراً (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). نعم أيها الإخوة الكرام في القسام وبقية الفصائل المجاهدة، لا تهنوا ولا تحزنوا ولا تتألموا طويلاً.
نعم، أنتم بشر لكم مشاعركم ولكم ما يعز عليكم فراقه وخسارته، ولستم بحاجة لنصائح القاعدين أمثالنا، وما أحاديثنا هذه إلا لنذكر أنفسنا أولاً وعموم المسلمين بأنكم اليوم تعيدون أمامنا مشاهد صحابة رسول الله الكرام، إذ باتت الأمة عطشى تبحث عما يروي عطشها عبر مشاهد عملية أمامها، لترى أن ما كانت تقرأه في كتب السير، لم تكن قصصاً خيالية، بل واقعية لا تختلف عما يجري في غزة اليوم..
نسأل الله ختاماً لكم الثبات، وأن يلهمكم صبراً كي نرى على أيديكم مشهداً من مشاهد العلو على الكفر والكافرين، ومن معهم وساندهم.. يقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
5466
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
3756
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2514
| 04 مارس 2026