رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأسبوع، أنها ستنفق 25 مليون دولار أمريكي هذا العام على برامج حرية الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط. وحسب تصريح على موقع الوزارة، فإن هذه البرامج تهدف إلى توفير برامج التدريب والأدوات اللازمة لناشطي المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط والعالم، لتمكينهم من ممارسة حريات التعبير ولتنظيم وإنشاء التجمعات على شبكة الإنترنت وكذلك عبر وسائل تقنيات الاتصالات الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن كلا من وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية قد أنفقتا 76 مليون دولار في الفترة بين 2008 و 2011 على عمليات برمجة حرية الإنترنت.
قد تبدو هذه البرامج من الوهلة الأولى، وكأنها مبادرة من جانب الولايات المتحدة لتعزيز حرية الإنترنت العالمية. ولكن الحقيقة تكمن في أن بعض الناس قد يرون في ذلك فعلا سلبيا، معتبرين أن الولايات المتحدة تسعى لخلق العديد من المتاعب، وأنها بذلك تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وقد يراها الآخرون شكلا من أشكال التجسس، خصوصا وأنه يشوبها الغموض فيما يتعلق بمن يتلقى الدعم منها. هذا بالإضافة إلى أن هذه المبادرة يمكن أن تصطدم مع قوانين وسائل الإعلام لبعض الدول في منطقة الشرق الأوسط، حيث توجد ضمن هذه القوانين أحكام لا تسمح لوسائل الإعلام، القديمة منها والجديدة، بالحصول على تمويل لأنشطتها من الدول الأجنبية.
ومع ذلك، فإن سياسة الولايات المتحدة لتعزيز حرية الإنترنت في جميع أنحاء العالم تبدو غير متوافقة مع الإجراءات التي اتخذتها كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات العملاقة، مثل جوجل وتويتر ويوتيوب وأيضا البلاك بيري، والتي ظهرت جليا في الآونة الأخيرة من خلال امتثالها لطلبات حكومات بعض الدول لمنع تداول أي محتوى ترى هذه الحكومات أنه يسبب ضررا لمصالحها أو خطرا على أمنها.
حيث أعلن موقع تويتر في وقت سابق من هذا العام، بأنه أصبحت لديه القدرة على فرض رقابة وقيود على محتويات تعليقات المستخدمين، حيث سيضطر موقع تويتر لحذف التعليقات التي تتضمن محتويات تعتبر مخالفة في دولة بعينها من خلال منع ظهورها في تلك الدولة تحديدا، مع إتاحتها في باقي دول العالم، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول كيفية تعامل موقع هام من مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر - والذي تتنامى قاعدة مستخدميه بصورة سريعة على مستوى العالم - مع قضايا حرية التعبير، كما أثار إعلان تويتر موجة من الاحتجاجات الغاضبة من قبل جمهور المستخدمين وخاصة جماعات دعاة حرية الإنترنت، التي أصبحت تتحسر على حقيقة قبول مثل هذه الشركات العالمية، والتي تتبنى سياسة الجزرة والعصا في آن واحد، وهي الدعوة لحرية التعبير في ذات الوقت الذي تمتثل فيه لمطالب بعض الحكومات الحريصة على قمع معارضيها، حتى وإن كانوا مجرد سكان آمنين في بيوتهم.
ومؤخرا، أعلنت جوجل أيضا أنه سيتم توجيه روابط مواقع المدونات إلى عناوين نطاقات خاصة بكل بلد، حيث ذكرت شركة جوجل موضحة: "نحن نفعل ذلك لتوفير المزيد من الدعم لإدارة محتوى المدونة محليا، وإذا تلقينا طلبا بإزالة محتوى ما، يخالف القانون المحلي في أي دولة، فإن هذا المحتوى لن يكون متاحا للقراء في النطاق المحلي لتلك الدولة حيث تطبق تلك القوانين. وهذا الإجراء التحديثي يتماشى مع النهج الثابت الذي ظللنا نتبعه والذي لم يتغير، تجاه حرية التعبير والمحتويات المثيرة للجدل".
كل هذه التطورات لا تبشر بالخير بالنسبة لنشطاء الإنترنت، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط، التي لعب فيها الإنترنت - عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي - دورا حاسما في حشد المتظاهرين في دول الربيع العربي، والتي أدت إلى سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.
وربما إذا قامت هذه الشركات بتنفيذ إجراءاتها الرقابية تلك المقيدة لحرية التعبير، في الدول الغربية، حيث توجد هناك حكومات منتخبة ديمقراطيا، فقطعا لن تكون هناك إشكالية كبيرة، لأن هذه الدول لديها برلمانات ومجالس وهيئات ممثلة للشعب، وتعتبر في واقع الأمر بمثابة الجهاز المنظم لنبض الشارع، والجهة الممثلة الشرعية لصوت الشعب. بالإضافة إلى أن هذه الدول لديها قوانين وتشريعات تسمح بحرية الرأي والتعبير بين مواطنيها، ولديهم كذلك مختلف القوانين التي من شأنها حماية الناس من كل ما يعرض حقوقهم للانتهاك.
ولكن الأمر يختلف عندما يتم تطبيق هذه القيود في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن الديموقراطية لم تنضج بما فيه الكفاية لتؤتي ثمارها كما هو الحال في الدول الغربية، ولا يوجد اختيار حقيقي لجهة تمثل نبض الشارع وتلهج بأصوات الأغلبية. وهناك الكثير من دول المنطقة أيضا ليست لديها قوانين للإنترنت أو تشريعات تتيح حرية التعبير. وحتى البلدان التي قامت فيها انتفاضات الربيع العربي، لا تزال دساتيرها قيد الدراسة والنقاش أو في طور وضع اللمسات الأخيرة، ولذلك لا توجد حماية قانونية سارية النفاذ لحقوق الناس وحرياتهم.
لا شك أن الإجراءات التي تتخذها هذه الشركات الأمريكية الكبيرة، تتعارض مع مبادرة الولايات المتحدة بشأن تعزيز حرية الإنترنت العالمية، وتقوّض سياسة الحكومة الأمريكية - القائمة أساسا على الحرية - التي تروج لها، وهذا يعني أن هناك تضاربا في المصالح.
فمن جهة، تنشط حكومة الولايات المتحدة في إنفاق ملايين الدولارات على البرامج التدريبية وتوفير أدوات للناشطين من أجل دفعهم لتجاوز القيود الحكومية في بلدانهم وممارسة حرية التعبير بكل اطمئنان، ومن جهة أخرى، تقوم الشركات التقنية الرائدة في مجال خدمات الإنترنت، مثل جوجل وتويتر، بالامتثال سمعا وطاعة لطلب الحكومات الأخرى الرامي لفرض رقابة وقيود على معلومات وبيانات محددة تخص آراء وتعليقات المستخدمين.
إن هذه الإجراءات تعطي إشارات متباينة ومتناقضة للناس في الشرق الأوسط بشأن ماهية النوايا الحقيقية لحكومة الولايات المتحدة، وتثير الشك والريبة، وهذا ما يقودنا إلى السؤال: ما هي الأجندة الحقيقية وراء هذه المبادرة للولايات المتحدة؟ وهل الحكومات العربية على علم بأن الولايات المتحدة تقوم بتمويل ناشطي الإنترنت وتعلمهم كيفية تجاوز القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات في بلدانهم؟
وحتى يتم تطهير هذه المبادرة من الشك في أجندتها الحقيقية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تكون أكثر شفافية فيما يتعلق بالأفراد أو المجموعات التي تتلقى هذا الدعم، فضلا عن المعايير التي يتم من خلالها اختيار الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا جزءا من البرنامج. ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ينبغي أن تتعاون مع الأمم المتحدة من أجل تنفيذ هذا البرنامج بدلا من القيام به من تلقاء نفسها، لأنها بذلك سوف تعطي البرنامج المزيد من الشرعية، وستبدد الشكوك العالقة في أذهان الناس في الشرق الأوسط في أن هذه البرامج ليست إلا مجرد حيلة ذكية، ذات أجندة خفية، تتخذها الولايات المتحدة للتجسس على بلادهم وتحرض بها على الاضطرابات وعدم الاستقرار.
وينبغي للأمم المتحدة، بدعم من القوى العظمى الغربية مثل الولايات المتحدة، والتي لديها البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة، استصدار قانون دولي لحرية الإنترنت يحظى باحترام جميع الدول، على غرار القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبناء على هذا القانون الدولي لحرية الإنترنت يتسنى لكل دولة وضع القوانين الخاصة بها، والتي ستتضمن أيضا أحكاما تتوافق مع ثقافتها ومعتقداتها الدينية ومبادئها الخاصة بها.
وسيقوم هذا القانون بوضع معايير موحدة لجميع الدول فيما تتعلق بحرية الإنترنت، تضمن حماية حقوق كل الناس في هذا العالم الذي ظلت تتلاطم به أمواج العولمة العالية وتقود دفته في اتجاه العلم والتكنولوجيا، وتجتاحه رياح ثورة المعلومات والاتصالات العاتية، التي تتراجع حيالها قيمة الحدود بين الدول.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4476
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2358
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
1911
| 28 يونيو 2026