رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
توجد العديد من قصص النجاح بخصوص تحقيق هدف التنويع الاقتصادي في اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي. تتضمن أمثلة النجاح فرض دبي نفسها في مجال تجارة الذهب مع أنها ليست جهة منتجة لهذه السلعة الإستراتيجية. تشمل أسباب التفوق في هذا المجال أمورا مثل توفير الأجواء الضرورية من قبيل منح التأشيرات وتصاريح العمل والإقامة للأشخاص المعنيين في هذا المجال. يقيم عدد غير قليل من رجال الأعمال الهنود البارزين في دبي مستفيدين من التسهيلات المتوافرة مثل التأشيرات والموانئ وحركات الطيران.
كما تقدم صناعة الطيران ميزة إضافية للتجارة في دبي والمساهمة في جعلها مركز تجاري رئيسي في المنطقة بأسرها. بل يعتبر مطار دبي رائدا في العالم في ظل قدرته على استقطاب ركاب الترانزيت وهم في طريقهم لوجهاتهم النهائية.
وبصورة أشمل، تمكنت ثلاث ناقلات تتبع دول مجلس التعاون في السنوات القليلة الماضية من فرض نفسها على خارطة الطيران على مستوى العالم. بكل تأكيد، الإشارة هنا إلى طيران الإمارات والقطرية والاتحاد.
حقيقة القول، تعتبر طيران الإمارات أكبر مشغل على مستوى العالم لطائرات الإيرباص أي 380 العملاقة والتي تمتلك قدرة توفير مقاعد لنحو 500 مسافر في آن واحد. وفي هذا الإطار، رد المسئولون في شركة طيران الإمارات بغضب على تصريحات صحفية في فرنسا أفادت بإمكانية التوقف عن إنتاج هذا النوع من الطائرات بسبب ضعف الطلب. تشكل الطائرة جزءا جوهريا من خطط التوسع لدى طيران الإمارات.
وحديثا فقط، قامت عدد من شركات الطيران في الولايات المتحدة وبصورة موحدة بمخاطبة المسؤولين في صناعة الطيران والمشرعين حول مزاعم بوجود منافسة غير عادلة من طيران الإمارات والقطرية والاتحاد في السوق الأمريكية. هناك اعتقاد مفاده بأن الشركات الثلاث تحصل على دعم من حكوماتها الأمر الذي يضعها في أفضلية تنافسية مقارنة مع الناقلات الأمريكية.
مما لا شك، أصبحت الناقلات الخليجية توفر رحلات مباشرة للعديد من المدن الأمريكية بينها نيويورك وواشنطن وشيكاغو. وفي هذا الصدد، تتوارد الأنباء عن تحقيق المزيد من الاختراق للإمارات والقطرية والاتحاد في السوق الأمريكية والتي تعتبر الأكبر في العالم.
شخصيا، سمعت من زملاء أمريكيين أنهم يرغبون السفر عبر الناقلات الخليجية بالنظر لمستوى الخدمة والرعاية والطائرات الحديثة.
ذات مرة، أشاد زميل أمريكي بقيام الشركات الخليجية بمنح هدايا لصغار المسافرين، حيث تعتبر هذه الخطوة محل تقدير في ظل شبه انعدام هذا النمط من السلوكيات لدى الشركات الأمريكية بحجة وصول السوق لمرحلة النضج.
ومرد ذلك بأن المسافر يهتم أساسا بالحصول على خدمة الطيران وبأفضل الأسعار والأوقات دونما النظر لأمور مثل الخدمة داخل الطائرة. كما سمعت من دبلوماسي أمريكي مقيم في واشنطن لكن المطلوب منه التنقل لمختلف بلدان العالم بأنه دائم التوقف في دبي والدوحة وأبو ظبي عند السفر لوجهات مختلفة في جنوب آسيا مثل الهند وأفريقيا مثل كينيا.
ولطالما الحديث عن قطاع الطيران، لابد من الإشارة لمطار حمد الدولي في الدوحة والذي تم تشغيله في 2014. يعتقد بأن المطار يلبي احتياجات قطاع الطيران في قطر لفترة 40 سنة قادمة، وعليه المساهمة في تعزيز مكانة قطاع الطيران في قطر. كما لعب دورا محوريا في تطوير البنية التحتية في البلاد لما لذلك من تأثير على مجمل النشاط الاقتصادي.
بالنظر للأمام، من شأن استضافة دبي لمشروع أكسبوا في عام 2020 إفساح المزيد من الفرص للقطاع الخاص وبالتالي تعميق ظاهرة التنويع الاقتصادي في الإمارة. من جملة الأمور، يتوقع أن تتمكن قطاعات الضيافة والمؤتمرات والطيران من زيادة أهميتها النسبية في الاقتصاد المحلي على خلفية استضافة هذا الحدث العالمي الكبير.
من جهة أخرى، يتوقع أن يساهم كأس العالم 2022 في تعميق التنويع الاقتصادي في الاقتصاد القطري عبر الاستثمار في العديد من القطاعات. على سبيل المثال، سوف يساهم مشروع مترو الدوحة في تحسين الفرص لعدد من القطاعات مثل البناء والتشييد.
في كل الأحوال، من الأهمية بمكان التركيز على مواطن القوة في أي اقتصاد عند الحديث عن التنافسية الاقتصادية برمتها. ويمكن القول بكل أريحية بأن التنويع الاقتصادي عملية مستمرة الأمر الذي يتطلب متابعة دائمة والتزامات من القائمين على الشأن الاقتصادي في المنظومة الخليجية.
بالنظر للإحصائيات المتوافرة، لا مناص من بذل المزيد من الجهود لتنويع الاقتصاديات الخليجية بعيدا عن النفط. على سبيل المثال، يعتمد اقتصاد الكويت بشكل خاص على النفط لتحقيق الرفاهية المطلوبة للناس والقطاعات. يشار إلى أن القطاع النفطي يمثل 93 في المائة من واردات الخزينة، ونحو 90 في المائة من الصادرات فضلا عن 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من الأمور المفرط عنها بشكل واضح.
لحسن الحظ، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي الموارد اللازمة لتنويع اقتصادياتها بعيدا عن النفط المحلية حيثما كان ذلك ممكنا. في بداية 2015، سيطرت الدول الست بصورة مجتمعة على ثروة سيادية ضخمة قدرها 2.7 تريليون دولار أو 38 في المائة من الثروة السيادية على مستوى العالم، أي نسبة جديرة.
لا غرابة، يعتبر القطاع النفطي المصدر الأول لهذه الثروة السيادية. يتطلب الأمر الاستفادة من عائدات النفط لتنويع الاقتصاديات المحلية بعيدا عن القطاع النفطي، أي استخدام النفط للابتعاد عن النفط وفي ذلك تحد.
ختاما، تحتاج السلطات للاستفادة من المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام والهيئات المنتخبة في إطار البحث عن السبل الكفيلة لمواجهة تحدي التنويع الاقتصادي. مؤكدا، ليس من الصواب محاولة تقليد اليابان في التقنية أو الصين في كلفة الإنتاج بالنظر لحالة الخصوصية لدى كل بلد بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31083
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17664
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4446
| 15 يونيو 2026