رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين الناس. اتصال قصير، رسالة تهنئة، زيارة عائلية، تعزية، سؤال عن مريض، حضور مناسبة، أو حتى ابتسامة في وجه قريب أو صديق. هذه الأفعال البسيطة هي التي تجعل العلاقات أكثر دفئًا، وتمنع الحياة من أن تتحول إلى معاملات جافة.
لذلك لا يصح أن ننظر إلى المجاملات الاجتماعية نظرة سلبية مطلقة. فالمجاملة في أصلها ليست نفاقًا، ولا تصنعًا، ولا عبئًا دائمًا. بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن الذوق، وحفظ للمودة، ومراعاة للخواطر، وإعلان بأن الإنسان لم ينس قريبه أو صديقه أو جاره في فرحه أو حزنه.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المجاملة من فعل جميل إلى واجب ثقيل. هنا لا يعود الإنسان يسأل نفسه: هل أريد أن أشارك؟ هل أستطيع أن أحضر؟ هل يناسبني أن أتصل الآن؟.... بل يبدأ بسؤال آخر: ماذا سيقول الناس إن لم أفعل؟ هل سيغضب فلان؟ هل سيقال إنني قصّرت؟ هل سيُفهم غيابي على أنه تجاهل أو تغير في العلاقة؟
في هذه اللحظة تتحول المجاملة من معروف اجتماعي إلى عرف ضاغط.
والعرف هنا لا يعني العادة البسيطة فقط، بل يعني ذلك السلوك الذي يتكرر بين الناس حتى يصبح متوقعًا، ثم يتحول مع الزمن إلى معيار يحاسِب الناس بعضهم بعضًا عليه. لا توجد ورقة مكتوبة تقول لك: يجب أن تحضر، أو يجب أن تتصل، أو يجب أن تبارك، لكنك تشعر أن ترك ذلك سيكلفك عتبًا أو سوء فهم أو برودًا في العلاقة.
وهذا هو الجانب الذي لا نتوقف عنده كثيرًا. نحن نتحدث عادة عن تكاليف الزواج، وتكاليف العزاء، وتكاليف المناسبات الكبرى، لأنها ظاهرة وواضحة. لكن هناك تكاليف أخرى لا تظهر في الفواتير. هناك تكلفة الوقت، وتكلفة القلق، وتكلفة الشعور بالذنب، وتكلفة إدارة العلاقات، وتكلفة أن يظل الإنسان مراقبًا لما يجب أن يفعله تجاه كل قريب وصديق وزميل.
قد تكون المجاملة رسالة صغيرة، لكنها أحيانًا تأتي بعد تفكير طويل: من يجب أن أهنئ؟ من قد يزعل إن ما رديت عليه؟ هل تكفي رسالة؟ هل يجب أن أتصل؟ هل يجب أن أزور؟ هذه الأسئلة، حين تتكرر، تصنع عبئًا نفسيًا غير معلن.
ولعل من أكثر العبارات حضورًا في هذا الباب عبارة: “حفظ الخاطر”. وهي عبارة جميلة في أصلها. فالمجتمع الذي لا يحفظ خواطر الناس يصبح قاسيًا. لكن حفظ الخاطر يتحول أحيانًا إلى ضغط عندما يصبح مطلوبًا من الإنسان أن يحفظ خواطر الجميع، بينما لا يحفظ أحد خاطره هو، ولا يراعي ظروفه أو تعبه أو مرضه أو ضيق وقته.
المطلوب إذن ليس إلغاء المجاملات. فهذا غير ممكن، ولا هو مطلوب أصلًا. المجتمع بلا مجاملات سيكون أكثر برودة، وأقل رحمة، وأضعف صلة. المطلوب هو تهذيب المجاملات، وإعادتها إلى معناها الأصلي: المودة لا المحاسبة،.... المشاركة لا المراقبة،.... المعروف لا الإحراج.
نحتاج إلى عرف اجتماعي جديد، أرحم وأوسع. عرف يقبل الاعتذار من غير تفتيش في النوايا. عرف يفهم أن عدم الحضور ليس دائمًا تقصيرًا، وأن الرسالة قد تكفي أحيانًا، وأن الاتصال القصير قد يكون صادقًا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي كل الواجبات الاجتماعية بالطريقة نفسها وفي كل وقت.
كما نحتاج إلى تخفيف لغة العَتَب والمحاسبة: لم يتصل، لم يحضر، لم يبارك، بس أرسل برسالة، تغيّر علينا، كبر راسها علينا. هذه العبارات الصغيرة هي التي تجعل الناس يجاملون خوفًا لا محبة، ويحضرون دفعًا للحرج لا رغبة في المشاركة.
المجاملة الجميلة هي التي تترك أثرًا طيبًا في النفس. أما المجاملة التي ترهق الإنسان، وتدفعه إلى التمثيل الاجتماعي المستمر، وتجعله يخاف من كل غياب أو تأخر أو اعتذار، فهي بحاجة إلى مراجعة.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع بلا مجاملات، بل إلى مجتمع أكثر رحمة في فهم المجاملات. مجتمع يحفظ المعروف، لكنه لا يحوله إلى عبء. يقدّر الحضور، لكنه لا يجرّم الغياب. يفرح بالسؤال، لكنه لا يعاقب من منعته ظروفه. فالعلاقات لا تقوى بكثرة المحاسبة، بل بحسن الظن، وسعة الصدر، وقبول أعذار الناس.
ولعل أرق ما يختم به هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”. فالمجاملة حين تكون كلمة طيبة، خفيفة على صاحبها، دافئة في أثرها، صادقة في معناها، تصبح بابًا من أبواب الرحمة، لا عبئًا من أعباء الحياة.
الشللية.. وقتل الخبرات والتخصص
عنوان لم يكن من فراغ، لكنه من واقع يسري سمومه كالسرطان في بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، الاستقالات... اقرأ المزيد
207
| 12 يوليو 2026
الذكاء.. الاصطناعي والعاطفي
لقد أشرقت شمسُ الذكاء الاصطناعي على العالم، فكشفتْ عجائبَ لم تكن تخطر على بال، وأزاحتْ ستارَ الوهم عن... اقرأ المزيد
93
| 12 يوليو 2026
بعد عودة التوتر إلى هرمز.. كيف نخفف استمرار ارتفاع تكاليف الشحن؟
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة... اقرأ المزيد
1002
| 11 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5775
| 07 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1458
| 05 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1446
| 07 يوليو 2026