رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

873

د. جاسم الجزاع

هل العادات والتقاليد مقدسة؟ وهل من الممكن تجاوزها؟

22 مارس 2025 , 02:00ص

إن المتأمل في العادات والتقاليد يجد أنها ليست مجرد مظاهر شكلية أو أفعالًا مكرورة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، بل هي خلاصة التجربة والممارسة الإنسانية لمجتمع ما عبر الدهور، فهي تعكس رؤيته للحياة، وتترجم قيمه ومعتقداته وثقافته، كما تعكس نظرته إلى الوجود والعالم من حوله، فإن العادات والتقاليد هي بمثابة الذاكرة الجمعية للشعوب، وسجلها الحيّ الذي يحفظ ملامحها وهويتها، ويصنع من خلالها سلوك الأفراد وينظّم علاقتهم بعضهم ببعض، كما تُرسّخ قواعد الانتماء، وتعزّز الشعور بالهوية والخصوصية الثقافية، فيعرف بها الإنسان نفسه، ويشعر بالانتماء إلى مجتمعه وبيئته، ويدرك موقعه ضمن نسيج اجتماعي واسع ومتداخل.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا السياق: هل العادات والتقاليد مقدسة؟ وهل ينبغي التمسك بها على إطلاقها، مهما كانت طبيعتها أو أثرها؟ إن الحقيقة التي لا خلاف فيها أن التقديس لا يكون إلا لما ثبت بنصٍ من وحي السماء، أما العادات والتقاليد والأعراف، فهي جهد بشري خالص، ونتاج لسياق تاريخي مجتمعي وثقافي محدد، فالعادات خاضعة للتطور والنقد، والتقاليد قابلة للمراجعة والاختبار مع تغيّر الأزمنة والأحوال والظروف، فما كان منها منسجمًا مع فطرة الإنسان ومصلحته العليا العامة، ومحققًا للعدل، ودافعًا إلى صيانة الكرامة الإنسانية، فهي تقاليد وأعراف تستحق الحفظ والصيانة والاعتزاز. وأما ما تحوّل منها إلى قيدٍ يكبل الإنسان وحريته الفكرية والمعرفية والسلوكية، أو حاجزٍ يحول دون تطور المجتمع وارتقائه، فهو مما تجب مراجعته، بل وربما تجاوزه، بعقل راشد، وبصيرة نافذة.

لذلك فالتقاليد ليست صخورًا صماء لا تتحرك، بل أشبه بالنهر الجاري، يتجدد في مساره العام، ويحمل شيئًا من ماضيه القديم، لكنه لا يتوقف عند نقطة واحدة من حياة البشرية، فالمجتمعات التي تجمّدت عند أعراف لم تعد تناسب روح العصر الآني، نجد أنها قد أصابها الوهن والجمود، وتراجعت مكانتها بين الأمم. وكما هو الغلو مذموم فالتجافي مذموم أيضا، فنرى المجتمعات التي نسفت جذورها تمامًا، وتنكرت لموروثها، تاهت عن ذاتها، وفقدت خصوصيتها، وضاعت في زحام الأمم.

وقد جاء الإسلام بتشريعاته وأطره الواسعة ليقدم موقفًا متوازنًا تجاه الأعراف والعادات والتقاليد، فلم يرفضها لأنها موروث بشري، بل قبِل منها ما وافق مبادئ العدل والإحسان، ورفض ما يعارض الكرامة أو يكرّس الظلم، بل إن كثيرًا من التقاليد العربية السابقة، مثل إكرام الضيف، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد، أقرها الإسلام، وشجّع عليها. وهذا يدل على احترامه لما هو أصيل ومتجذر، ما دام لا يصادم أصول الدين.

وفي نهاية الأمر، تبقى النصيحة لكل مجتمع في الوجود، أن يعيد النظر في عاداته وتقاليده بين الحين والآخر، بعين الحكمة والعدل، فيحافظ على ما يربطه بجذوره، ويمنحه هويته وشخصيته، ويتخلّى عما يقيّده ويعيق حركته نحو التقدم، فالعادات حين تتجدد بروح العصر، تبقى حيّة نابضة، تخدم الإنسان، ولا تستعبده.

مساحة إعلانية