رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحق للطواغيت العرب أن يقلبوا مقولة الخليفة العباسي المستعصم رأسًا على عقب بكل أريحية. صحيح أن المستعصم قال عبارته الشهيرة "بغداد تكفيني" بعد أن أخبروه بأن معظم مدن وأقاليم العراق صارت في قبضة هولاكو. وصحيح أنه سرعان ما فقد بغداد التي ظن أنها ستحميه من المغول. لكن هذه الحادثة لا تنطبق بأي حال من الأحوال على أوضاع الطواغيت العرب الذين يحتمون بعواصمهم منذ سنوات وسنوات رغم أن بقية أنحاء البلاد إما أصبحت خارج السيطرة، أو أنها سقطت فعلًا في أيدي قوات المعارضة، أو أنها لا هنا ولا هناك. طالما أن العواصم محمية في حالة الحكام العرب، وهم مرتاحون داخلها، فلا بأس أن تحترق البلاد خارجها أو تسقط.
لكن من الواضح أن المعارضين والثوار السوريين لم ينظروا إلى التجارب السابقة وهم يخوضون حربهم ضد نظام بشار الأسد، فظنوا أن الاستيلاء على حلب وإدلب في الشمال ودرعا في الجنوب والرقة في الشرق سيهز عرش النظام. لكن الواقع أن النظام لا يأبه حتى لو تشرد كل الشعب السوري، واحترقت حلب وبقية المدن، طالما أنه مرتاح في دمشق. ولا شك أن الأسد استفاد من تجارب زملائه في العراق والسودان عندما عمل المستحيل لحماية العاصمة، وترك بقية المناطق وحتى حدود سوريا تحت سيطرة معارضيه.
طالما العواصم بخير لا خوف أبدًا على الحكام. وقد لاحظنا في الحالة السودانية أن النظام كان وما زال يخوض عشرات المعارك والحروب منذ عقود خارج الخرطوم في كردفان والنيل الأزرق ودارفور وقبل ذلك في جنوب السودان قبل أن ينفصل عن الشمال. لقد شهدت دارفور أكثر مما شهدته حلب السورية. وقد تحدث العالم عن تهجير مئات الألوف من السودانيين وقتل مئات ألوف آخرين في دارفور وحدها، ناهيك عما فعلته الحرب في الجنوب وبقية المناطق المشتعلة. وقد أدى الصراع في السودان إلى مقتل أكثر من مليون ونصف المليون شخص، بالإضافة إلى تدمير البلاد اقتصاديًا، بحيث وصل سعر العملة إلى الحضيض. هل حرك كل ذلك الخراب والدمار شعرة في رأس النظام الحاكم في الخرطوم؟ بالطبع لا بأس إن تشرد ملايين السودانيين، أو وصلت الأوضاع المعيشية في البلاد إلى حدود كارثية. ولا بأس أن تعيش بقية أصقاع البلاد حالة حروب مأساوية، طالما أن النظام سعيد في العاصمة. فالخرطوم تكفيه، وسيظل يقاتل خارجها حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
ومع أن الوضع العراقي مختلف عن الوضع السوداني، إلا أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين صمد في العاصمة بغداد لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، مع العلم أن بقية أنحاء العراق كانت بطريقة أو بأخرى إما تحت سيطرة جماعات المعارضة العراقية، أو أنها ممنوعة عليه بسبب خطوط الطول والعرض الأمريكية في الشمال والجنوب. وقد حرم حظر الطيران الذي فرضه الأمريكيون فوق بعض مناطق العراق، حرم النظام في بغداد من السيطرة على أماكن عدة داخل العراق. ولم يكن النظام يسيطر فعليًا إلا على العاصمة وبضع مناطق أخرى. لكن مع ذلك، لم يؤثر خروج بقية المناطق عن سيطرة العاصمة على النظام طالما أنه متحصن داخل العاصمة. ولا ننسى الوضع المأساوي أيضًا خارج بغداد بسبب الحصار الأمريكي والانهيار الاقتصادي. هل أثر ذلك على صمود النظام في العاصمة؟ بالطبع لا. فقد ظل النظام مرابطًا في بغداد حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ولولا الغزو، لظل وضع النظام على حاله في بغداد لعقود وعقود.
ولو جئنا الآن إلى سوريا لوجدنا أن النظام السوري سعيد جدًا بصموده في دمشق منذ خمس سنوات، لا بل مستعد أن يبقى على هذا الوضع لعقود وعقود. فحلب وإدلب والرقة ودير الزور ليست أغلى من البصرة في العراق ولا أغلى من كردفان ودارفور والنيل الأزرق في السودان، طالما أن الخرطوم وبغداد ودمشق بخير. هل تعلمون أنه تم قبل أسابيع افتتاح أكبر محل لبيع الآيس كريم في دمشق بينما كانت حلب في الشمال تحترق فعليًا؟ وطالما أن الناس في دمشق يعيشون بعيدًا عن الحرب والمآسي التي يتعرض لها بقية "أشقائهم" السوريين، فلا بأس أن يستمتعوا بحياتهم تحت رعاية بشار الأسد الذي بدوره لا تهتز له شعرة وهو يرى بقية المدن خارج السيطرة أو تحت النار، طالما هو سالم آمن في دمشق. ولتذهب الحدود السورية والسيادة في ستين ألف داهية طالما أن صواريخ المعارضة لا تستطيع أن تصل إلى قصره أو على الأقل إلى معاقله العسكرية والأمنية في العاصمة.
لا شك أن القوى الدولية لها دور في إبعاد النار عن معاقل الأسد في دمشق. هل تعلمون مثلًا أن أمريكا سمحت للثوار باستخدام صواريخ "تو" المضادة للدبابات فقط في المناطق الشمالية ومناطق أخرى بعيدة عن دمشق؟ ممنوع على الثوار أن يستخدموا تلك الصواريخ ضد قوات النظام التي تحمي العاصمة. ولولا ذلك لاستطاعت تلك الصواريخ أن تدمر كل دفاعات النظام التي تحمي العاصمة كالدبابات والدروع والمدرعات. ولو لم تتوافر الحماية الأمريكية والروسية والإيرانية لدمشق، لكان النظام فعل المستحيل كي يتحصن داخل العاصمة، ويترك بقية المناطق تحترق وتنهار بشريًا واقتصاديًا. لا يهم النظام من سوريا إلا دمشق تمامًا كما اكتفى المستعصم ببغداد فقط مع فارق النتيجة طبعًا. ناهيك عن أن النظام يتفوق على غيره من الأنظمة المحاصرة بأن لها معاقل طائفية قوية أخرى في الساحل السوري.
طالما عواصمكم بخير فأبشروا بطول السلامة أيها الطواغيت. وطالما أن معارضيكم مكتفون ببقية المناطق باستثناء العواصم، فهذا يعني أنهم ليسوا مهتمين بإسقاطكم، أو أنهم يتقاسمون معكم شرذمة البلاد وتشريد العباد.
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2391
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2111
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8598
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3429
| 22 أكتوبر 2026