رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القضاء حصن العدالة كما قال تعالى: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" (ص:26)، وقد أوصى سيدنا عمر أبا موسى الأشعري عندما أرسله قاضيا على البصرة فقال: "آسِ بين الناس في نظرك ومجلسك و.... حتى لا ييأس ضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك"، والقاضية هي بالضبط ما قامت به المحكمة الدستورية المسيَّسة في الحكم المنحاز بامتياز للسلطة على حساب الشعب من خلال الحكم ببطلان قانون انتخاب ثلث أعضائه، وبطلان قانون العزل السياسي، في غزل سياسي للمجلس العسكري ومرشحه شفيق عدو الشعب، وضد المجلس الوحيد المنتخب وفق قانون لم يصنعه مجلس الشعب الذي ألقيت على عاتقه – إعلاميا كل شماعات الفشل السياسي من السلطة التنفيذية بدءًا من المجلس العسكري ومرورا بمجلس الوزراء وحتى المحافظين والمحليات مما عشش فيه و "كوش" عليه واحتكره النظام البائد، وفجأة وجدنا أنفسنا أمام الضربة القاضية على الثورة والثوار، والشهداء والجرحى، والدماء والأشلاء، وهو حكم يتجاوز مرحلة كان المجلس العسكري - الذي فقد مصداقيته وقدرته حاكما وحاميا معا- بسلب الشعب شيئا ويعطيه شيئا ولو قليلا، كما قدم عمر سليمان ليُخرج بحيله التي لا تنتهي خيرت الشاطر من سباق الرئاسة عندما تيقن أنه يكسب من الجولة الأولى، فأخرج خيرت وعمر سليمان مع بعضهما ؛ فتكون بالعبارة المصرية "بصرة"، أو هذه بتلك في فصيح العرب، لكن المجلس العسكري تجاوز هذه المرحلة ليستعمل القضاء في الضربة القاضية، ويأبى أن تنزل كلمة رئيس وزرائه الجنزوري عندما وعد أو توعد رئيس مجلس الشعب د.الكتاتني: بأن قرار حل المجلس عندنا في درج المحكمة الدستورية، وعندما صرح الكتاتني - المنتخب بكل نزاهة أشاد بها القاصي والداني - على قناة الجزيرة خرج الجنزوري مكذبا الكتاتني الذي تحلّى كعادته بأعلى درجات الأدب عندما سئل: ما ردك؟ فقال: إن رئيس مجلس الشعب لا يكذب، وها هي الأيام قبل شهرين من هذا التصريح يصدق الكتاتني ويكذب الجنزوري فليس حكم القضاء بل القاضية على الشعب وثورته، فيحل المجلس ويثبت شفيق في تحدٍ صارخ لكل الاعتبارات القانونية والسياسية والأخلاقية، وكأن كل من جاء من رحم الدكتاتورية والتزوير، والفساد والاستبداد لا يطيق أن يرى دائرة واحدة منتخبة بنزاهة، ولو كنا أمام قضاء عادل فلماذا تتأخر قضايا لسنوات عديدة أمام الدستورية وغيرها ولم يبتَّ فيها، وأُخذت هذه على وجه الاستعجال؟!! ولماذا مكثت المحكمة الدستورية أيام مبارك فوق ثلاث سنوات حتى تحكم في دستورية قانون انتخاب المجلس، وعندما حكمت ببطلان قانون انتخاب المجلس وصل الحكم للرئيس المخلوع كي يصدر قراره بعد أيام بحل المجلس، لكنا والله لسنا أمام قضاء عادل بل نحن أمام مصارعين يتدربون على الضربة القاضية للثورة والثوار والشهداء والجرحى، ولو رتبنا بعض الأحداث سنفهم جيدا: الضربة القاضية القريبة بدأت بالحكم المجامل لمجرمي مصر مثل مبارك وأولاده وأعوانه في قتل الثوار وبراءة من فرموا الأدلة الجنائية، ثم تدني أسلوب الزند على ممثلي الشعب كله بأسلوب لو نزلت إلى قاع المجتمع فربما تسمع لغة أرفع منه، وكان مجلس الشعب رفيعا ديانة وسياسة، عندما أكد احترام القضاء وانتظر من رئيس مجلس القضاء الأعلى أن يقول رأيه في لغة الزند، ومرت دون تعليق ولا تصعيد حفاظا على شعرة معاوية، ولكن هناك إصرارا على الاستمرار في الضربة القاضية للشعب والثوار والشهداء والجرحى، بل زاد الطين بلة بصدور قرار وزير العدل بقوة القانون، بإعطاء الحق لضباط الجيش وضباط الصف مع الشرطة سلطة الضبط القضائي، وسبحان الله مجلس الشعب الذي انتخبه ثلاثون مليونا ليس له حق إصدار قانون وهي أولى صلاحياته، ووزير العدل المعين من الجنزوري أو المجلس العسكري له الحق وحده في إصدار قانون وفقا لديمقراطية العسكري والجنزوري مما يدخل الجيش في صراع مع الشعب المسكين، في الوقت الذي يجب أن يحمي مصر من الصهاينة والمعتدين، ثم لا يمر يوم حتى جاءت ثالثة الأثافي والضربة القاضية للثوار والثورة والشهداء والجرحى ألا وهو حكم المحكمة الدستورية الذي أخذ أسوأ من الوصف العربي "أحَشَفًا وسوء كيلة" وهو مثل يُضرب لمن جمع سوأتين لا يجتمعان، لكن البلطجة الكبرى التي لم تحدث في تاريخ الشعوب وجانبت كل اللياقة والأناقة، آسف كل المبادئ الأخلاقية والسياسية في تطويق مجلس الشعب فورا بالجيش والشرطة ومنع أعضاء مجلس الشعب وهم ممثلو الشعب المصري من الدخول ودون انتظار حتى يصل الحكم لرئيس مجلس الشعب، ثم يتناقش ولو لم يعجب المشير يقوم هو بحل المجلس كما يمكن أن يكون لو كان القوم يحترمون أنفسهم أو الشعب الذي انتخب هؤلاء، وقد افتخر المجلس العسكري بكفاءته ونزاهته بإدارة انتخاب مجلس الشعب بكل شفافية، لكن القوم من الواضح أنهم قرروا تجريف الديقراطية والشورى والشعب، وأن الانتخابات هي مهزلة كبرى إذا جاءت بمن لا نريد فقد أعددنا القانون الأصلي مفخخا، يمكن به توجيه الضربة القاضية في الوقت الذي نراه، هذا ما يجري في الأرض في عالم الشهادة، أما ما يجري في السماء في عالم الغيب فهو قوله تعالى: "وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ" (إبراهيم: 46-47)، وقال تعالى: "وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" (فاطر: من الآية 43)، وقال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ" (يونس: من الآية81)، وقال تعالى: "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ" (الأنعام: من الآية59)، ونحن ماضون بكل إصرار في ثورتنا، وتوحيد صفنا، ومقاومة الحيل الخفية في تمزيق صف الثوار والنسيج الاجتماعي وشيطنة الثورة، والكلاكيع القانونية والفخاخ الدستورية، والأكاذيب الإعلامية، والاتهامات الشيطانية لأنه في النهاية كما قال تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ" (الرعد: من الآية 17)، وقال تعالى في نهاية سورة شيَّبت النبي صلى الله عليه وسلم وهي سورة هود: "وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (هود:123)، ولا يدري إلا الله فلعل السحر ينقلب على الساحر، ويكون حكم القضاء في الدستورية هو الضربة القاضية عليهم لا على الثورة والثوار والشهداء والجرحى الذين عاهدوا الله أن يحرروا مصر من نظام مبارك كله مهما كلفهم من تضحيات والعبرة بمن يضحك آخرا أو في الآخرة. أخشى أن يأتي هؤلاء جميعا يصرخون: "يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ" (الحاقة: 27-29)، فيجابون "خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ" (الحاقة:30-32)، يارب إنا بمصر نشكو إليك مجلسنا العسكري ومجلس الوزراء وقضاة الدستورية، والله وحده عليه التكلان وهو ولي الصالحين ومخزي الظالمين.
ملحوظة: كتبت هذا المقال قبل النتائج الأولية لانتخابات الرئاسة وإصدار الإعلان الدستوري المكبل لا المكمل، ولي عليه تعليق وتعليق.
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
949
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4190
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4153
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026