رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الجاهلية ليست فترة معينة من الزمان، عاشها الناس ثم انتهت، الجاهلية أقرب لأن تكون حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات وسلوكيات يمارسها الناس في مجتمعاتهم، ويمكن أن توجد هذه الحالة وهذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، بغض النظر عن مدى تقدم أو تأخر البشر وتحضرهم.
الصورة الذهنية عند كثيرين، ما أن يسمع أحدهم بمصطلح الجاهلية، تتمثل في ذاك المجتمع العربي المفكك أو المبعثر قبيل بعثة خير البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث الجهالة التي كانت ضاربة بعمق، في الفكر والمعتقد والسلوك والأخلاق وغيرها من مظاهر الحياة، وقد انتهت تلكم الجاهلية في جزيرة العرب وما حولها بفضل من الله، بعد أن انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا. لكن هل انتهت وتبخرت وتلاشت؟ واقع الأمر يقول لا، وأنها باقية، بل تتعمق وتتوسع في كل العالم دون استثناء.
حتى لا نفقد خيط الموضوع.. أقول إن الجاهلية قد تكون صفة لشخص أو مجتمع، فيقالُ شخص جاهلي أو مجتمع جاهلي، وذلك حين يتصرف أو يقوم الشخص أو المجتمع بسلوكيات معينة، أو يتسم بمظاهر تناقض العلم الصحيح وتعاكس المنطق السليم، بغض النظر عن الزمان والمكان، ومعنى هذا أنه يمكن اعتبار الجاهلية صفة أو سمة قابلة للظهور في أي زمان وأي مكان، وبالتالي وفق هذا المفهوم، ليس شرطاً أن تكون الجاهلية هي تلك الفترة ما قبل ظهور الإسلام تحديداً، بل قد تكون وجدت في أزمنة قديمة رغم الحضارات البشرية التي ظهرت آنذاك، وربما تظهر تارة أخرى بعد الإسلام وختام الرسالات السماوية، بل قد تكون حاضرة الآن في عصر العلم والتقنية كما هو حال عصرنا، فلا شيء ينفي ذلك.
حين تتأمل آية الحجاب (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي لا تكثرن الخروج متجمّلات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى الذين لا علم عندهم ولا دين - كما في تفسير السعدي - فقد تتساءل وأنت تقرأ الآية وفيها ذكرٌ للجاهلية الأولى، إن كانت هناك أو ستظهر جاهلية ثانية؟ وفي هذا اختلف المفسرون في تحديد فترة الجاهلية المقصودة أو الموصوفة بالأولى في الآية، ما بين قائل إنها الفترة ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، وقائل ثان إنها الفترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فيما بعض آخر ذهب للقول إن الجاهلية هي الفترة التي يرتكب فيها البشر الفواحش بدون تحرج، وقد رأيت نفسي تميل إلى الرأي الأخير أكثر من غيره.
وعلى هذا يمكن القول إن غالبية عصور البشر كانت جاهلية، ولم لا؟، والتاريخ يسطر إلى يوم الناس هذا، الكثير مما يندى له الجبين، من موبقات وفواحش وجرائم، ارتكبها وما زال يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان.
ما يحدث اليوم هنا وهناك، على رغم أننا في قرن العلم وثورة الاتصالات والمعلومات والتقنيات، لا يختلف كثيراً عما كان يحدث في زمن أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن معيط وأمية بن خلف وغيرهم من رموز الجهل والضلال في تلك الفترة الغارقة في الجاهلية، أو فترة قارون وهامان وفرعون والسامري، أو جالوت ومن قبلهم النمرود وآخرون.
حين يقتل الإنسان أخاه الإنسان، أو يسرقه بصورة وأخرى، أو يغتصب أهله وبيته وماله تحت أي شعار ومسمى، سواء فرداً كان هذا القاتل أم على هيئة حكومة أو منظمة أو غيرها، فإنما ذلك من أعمال وسلوكيات الجاهلية الأولى.
وحين تجد أستاذاً جامعياً أو طبيباً ماهراً أو مهندساً عليماً، يتبرك بحيوان ويعتبره إلهاً، أو يأتي من يعبد أوثاناً من دون الله، أو من ينكر وجود خالق وإله لهذا الكون أصلاً.. أفلا يدعوك ذلك المسلك لإطلاق صفة الجاهلية عليهم دون تردد؟ أليس كل هذا الخلل في المعتقد هو عميق الجاهلية؟.
وحين تتسارع الخطى نحو نشر الفواحش والشذوذ وبرعاية دولية هنا وهناك، والتلاعب في الجينات وتحليل ما حرم الله، أفلا تعتبر كل تلك الأفعال مؤشرات على انتكاس عميق للبشرية، ربما تنذر بظهور "الطاعـون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" كما في الحديث الشريف؟، أليست تلك سلوكيات وأخلاق الجاهلية الأولى، وإن كانت في عصر المدنية والتقنية؟.
وحين يختل الذوق والمنطق السليم الفطري، وتبتعد البشرية عن الدين الحق، فتتغير تبعاً لتلك المفاهيم وتضيع القيم الإنسانية، قيمة بعد أخرى في ظل اجتياح المادة على الفكر والوجدان الإنساني، حتى لا تجد تراحماً ولا تعاطفاً ولا إحساناً ولا أخوة ولا غيرها من تلك القيم الفطرية، أليس ذلك دلالة على تغلغل الجاهلية في أعماق النفوس البشرية، حتى وإن كانت تلك النفوس تحمل أعلى وأرقى الشهادات والمؤهلات العلمية؟.
جاهلية حقيقية عصرية
دون كثير جدال، البشرية تعيش جاهلية حقيقية ربما أسوأ من جاهلية أبي لهب وأبي جهل وما قبلهما.. لأن الذي تغير واختلف الآن عن تلك الفترة، إنما بعض مظهريات وسلوكيات وتصرفات متطبعة بصور حديثة أو ما نسميها بالعصرية، وهي في حقيقتها جاهلية عمياء عميقة، تحتاج إلى ماسح عظيم ومغيّر لها كبير، كما فعل الإسلام تماماً في المرة الأولى بعد ظهوره على يد خاتم الأنبياء والمرسلين.
البشرية تعيش جاهلية حقيقية بصور حديثة وعصرية، وإن غزت الفضاء وتعمقت في المحيطات وأركعت المخلوقات لمصالحها. ولك أن تنظر حولك هنا وهناك وتقارنها بما كانت عليه البشرية قبل ألف أو ألفي عام. لن تجد ذلك الفرق كبيراً، سوى أن الأولى كانت بالأبيض والأسود، واليوم بكافة الألوان، إن صح وجاز لنا التعبير.
إننا نعيش الآن - كما يقول صاحب الظلال - "فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- على طهارته ووضاءته ونظافته".
الآن نعيش جاهلية ثانية وقد تتوحش أكثر فأكثر، ولا أرى خلاصاً منها سوى بالعودة إلى الوراء 1400 عام، لتبدأ البشرية من جديد في تلمس خطاها نحو حياة إنسانية حقيقية، كما بدأها سيد المرسلين، ومن سار على دربه من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ماذا لو تحولت تصريحات «مزراحي» إلى واقع؟
قرار سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى منذ بدء التصعيد العسكري في المنطقة تحت ذريعة الإجراءات الاحترازية لا يبدو... اقرأ المزيد
240
| 18 مارس 2026
قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية لم تكتب الكثير، اكتفت بكلمتين «انا معك». كلمتان لكنهما كانتا... اقرأ المزيد
201
| 18 مارس 2026
هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟
وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج يقف على تخوم لحظة سياسية حازمة، حيث تقاطعت روحانية الشهر... اقرأ المزيد
234
| 18 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
3930
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1542
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1278
| 11 مارس 2026