رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مر بنا في المقالات السابقة ما قد لا يعلمه بعض الآباء من تصرفات أولادهم فيحكمون على ما ظاهره الكذب وهو ليس كذلك، وذكرنا أن المعرفة بتلك الأنواع بل وبطبيعة الولد كاملا أمر واجب على الآباء ينبغي أن يتعلموه ثم يجب كذلك أن يتعاملوا مع الظواهر السلبية بلطف وليونة، وأن يتعامل مع الأخطاء في حجمها الحقيقي فلا تضخم أكثر مما ينبغي حتى لا يكون ضررها أكثر من نفعها. وذكرنا أن علماء النفس والسلوك قسموا الكذب عند الأطفال إلى عدة أقسام منها: الكذب الخيالي، الكذب الالتباسي، الكذب التعويضي، كذب الاستحواذ، كذب المحاكاة (التقليد)، الكذب لجذب الانتباه، كذب الكراهية والانتقام، كذب الخوف من العقاب (الكذب الدفاعي)، الكذب لمقاومة السلطة، الكذب الاجتماعي، الكذب المرضي.
وذكرنا أن أغلب هذه الأنواع لا يعد كذبا بالمعنى الاصطلاحي لمعنى الكذب، ولا ينبغي أن يوصف مرتكبه بأنه كذاب أشر! أو ينعت بفلان الكذاب! أو ما إلى ذلك من الصفات التي تلصق بالفاعل حتى تكون أحيانا علما عليه، وهي في الغالب الأعم تضر أكثر مما تنفع، وقد مر بنا الحديث عن الكذب الخيالي والكذب الالتباسي واليوم نتحدث عن الكذب الاستحواذي
وهو نوع من أنواع ردة الفعل العنيفة التي تجعل الطفل يستحوذ على ما ليس له مدعيا أنها ملكه، وهذه النوع كثيرا ما نراه عند الأطفال الذين يعاملون من قبل أوليائهم بقسوة أو يعانون دوما من انعدام الثقة بينهم وبين آبائهم، أو حرمانهم من أشياء كثيرة يرغبون في امتلاكها. فيكون الطفل تحت تأثيرين: تأثير حب الامتلاك وتأثير الخوف من والديه ساعتها يضطر إلى الكذب لا على أنه كذب في ذاته ولكنها حيلة استعمل فيها ذكاءه أو هكذا يظن للوصول إلى هدفه دون أن يعاقب ولنضرب على ذلك مثالا: أراد طفل من والديه دراجة، فرفض الأبوان هذا الأمر خوفا عليه، أو ربما لأنه لا يحسن قيادتها، أو لأي سبب يعلمه الأبوان ويجهله الطفل، وخشي الولد أن يكرر طلبه حتى لا يعاقب فهو يخشى قسوة تحكم البيت، حينئذ تستحوذ عليه فكرة امتلاك الدراجة التي أضحت ممنوعة فكثرت الرغبة فيها وصارت هدفا عند الطفل لابد من تحقيقه، وبأية وسيلة لأنه يعتقد بأن ما فعله الوالدان به ما هو إلا لون من ألوان التسلط والقهر، فيلجأ هنا إلى الحيلة والتي تفسر على أنها لون من ألوان الكذب لكن الطفل لا يقصده وإنما لجأ إليها لامتلاك ما يراه حقا شرعيا له، فيأتي إلى أبويه مثلا ليقول لهما: كل الأولاد في الصف أتوا بدراجاتهم إلى المدرسة إلا أنا جلست في مكان بعيد أبكي ورآني الأولاد وأخذوا يسخرون مني وينسج قصة هي خيالية لكنه عاشها في مخيلته حين استحوذت عليه تلك الفكرة، أو ربما يأتي إليك ليخبرك بأن له صديقا مريضا وأن مدير المدرسة طلب أن يأتي كل طالب بهدية له فقد يأتي إليك قائلا إن مدير المدرسة طلب من الأولاد شراء قميص بمواصفات معينة (التي يريدها) أو يأتي ليخبرك بأن له صديقا مريضا ويحتاج إلى علاج وأنه وزملاءه قرروا مساعدته ببعض الأموال، أو أن مدرسه أخبرهم بأن يأتوا ببعض الأموال لتجميل المدرسة. الهدف بالطبع شراء ما منع منه وامتلاكه ولو بعض الوقت لأنه يدرك أنه لن يستطيع أن يمتلكها دائما.
وإذا كان السبب في فعل الطفل كما أشرنا سابقا القسوة أو فقد الثقة لأن الطفل حين يفقد الثقة في البيئة المحيطة به ويشعر بالحرمان يميل كذلك إلى هذا النوع من الكذب لامتلاك أكبر قدر من الأشياء التي يرغب فيها.
وهذا النوع من الأنواع المؤهلة لأن تكون كذبا مرضيا يصعب التخلص منه إذا استمر الأمر وتفاقمت المشكلة من غير علاج الكذب خطير إذا استمر دون علاج.
وعلاج هذا النوع من الكذب يكون في الاقتراب من الطفل وتأمينه وعدم إرهابه وإشعاره بأن الثقة بينه وبين والديه كاملة غير منقوصة، وأن الامان لن يجدهما إلا في حضن أبويه مع تفهم حاجياته حتى لا يضطر إلى الاحتيال للحصول عليه، ولا يعني ذلك اعطاء الولد كل ما أراد وكل ما طلب الجيد والردئ المهم وغير المهم فهذا كذلك خطأ، بل جلب ما يفيده، وترك ما لا يفيده بعد تبين المراد من ذلك له، والحكمة هنا في تفهم الآباء لحاجيات الطفل وما يصلحه.
نسأل الله أن يهدي أبناءنا لما فيه مصلحتهم وأن يبارك فيهم وأن ييسر لهم أمورهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2193
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1329
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026