رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخل مشروع القرار الفلسطيني المقدم إلى مجلس الأمن الدولي، والرامي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة وفق جدول زمني محدد، مرحلة تكسير العظام خاصة في ظل ما بدا واضحا أنه تهديد أمريكي باستخدام حق النقض الفيتو عن طرحه للتصويت، بعد انتهاء المشاورات بين الأطراف المختلفة سواء عربيا أو أوروبيا أو أمريكيا، رغم أن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية لم تؤكد هذا المنحى لكنها أشارت إلى أن بلادها تعترض على المشروع، وهو ما فسره محلل سياسي في واشنطن بأنه لا يحمل سوى معنى وحيد، يتمثل في اللجوء إلى استخدام الفيتو فهو السلاح الذي تجيده الإدارة الأمريكية، لإجهاض أي قرار يعرض على مجلس الأمن يتعلق بحليفتها الإستراتيجية ذات الطابع الاستثنائي في المنطقة، الأمر الذي تسبب في قطع الطريق على كل الحلول التي طرحت في السابق لإنهاء الصراع العربي الصهيوني.
ومع ذلك فإن ثمة حرصا وإصرارا فلسطينيا، مدعوما من الجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب للمضي قدما على طريق التصويت على مشروع القرار، بعد أن تقدمت الأردن الدولة العربية العضو في مجلس الأمن به بالفعل ليلة الأربعاء الماضي، باعتبار أن ذلك يعكس التطبيق الحي لخيار الدولتين والذي يحظى بإجماع إقليمي ودولي، ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة اقتناع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني به لترجمته على الأرض.
وعندما حانت اللحظة من خلال التوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن أصيب قادة الكيان بالذات بالهلع والرعب، إلى حد اعتبار الخطوة إعلان حرب من قبل الفلسطينيين ضد الدولة العبرية، حسبما عبر عن ذلك وزير الدفاع "موشيه يعالون"، بينما اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان خطوة عدوانية أخرى من جانب السلطة الفلسطينية، ووصل الأمر إلى حد التهديد بحل السلطة الوطنية بقيادة الرئيس محمود عباس – أبو مازن- لأنه يواصل قيادة إجراءات لا تستهدف إلا مشاكسة إسرائيل، دون أن تعود على الفلسطينيين أنفسهم بأي فائدة - على حد قول ليبرمان - القادم إلى وزارة الخارجية من رحم التطرف اليهودي، فضلا عن التوسع في المشروع الاستيطاني الصهيوني إلى مناطق جديدة في القدس المحتلة والضفة الغربية.
واللافت أنه قبل أن تبدأ الاتصالات، من قبل الوفد الوزاري العربي في باريس يوم الإثنين الماضي مع وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة، سارع جون كيري إلى استدعاء بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني إلى مقابلته، وكان آنذاك يزور العاصمة الإيطالية –روما – فخرج الأخير، معلنا رفضه للتوجه إلى مجلس الأمن، وهو ما يعني أن كيري لم يتمكن من إقناعه - أو بالأحرى لم يحاول - بإمكانية القبول بالطرح الفلسطيني، الذي يتضمنه مشروع القرار مستهدفا إنهاء الاحتلال في فترة زمنية تستغرق عامين، وهو ما أكده نتنياهو قبل أيام بقوله خلال لقائه بمجموعة من الدبلوماسيين الإسرائيليين، بأنه لن يوافق على أي إملاءات أحادية الجانب سواء من قبل المجتمع الدولي أو مجلس الأمن - حسب تعبيره - وأن أبو مازن لن يستطيع تهديد الإسرائيليين، فهو غير مستوعب لنتائج الإجراءات التي يقوم باتخاذها في مجلس الأمن والتي ستصب في صالح سيطرة حماس على الضفة الغربية، مثلما حدث من قبل في قطاع غزة.
وتؤشر هذه المواقف المعلنة سواء أمريكيا أو إسرائيليا، بأن استخدام الفتيو من قبل واشنطن بات مرجحا للغاية حسب ما يقوله الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ونائب رئيس المركز القومي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، وإن كان من ناحية أخرى يرى أن التعديلات التي أدخلتها فرنسا على مشروع القرار الفلسطيني، قد تدفع واشنطن إلى ترك القرار يمر، في ظل الضغوط الإسرائيلية التي تمارس على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لوقف هذا التوجه الفلسطيني، دون أن يستبعد في الوقت ذاته إمكانية حدوث مفاجآت خلال الساعات المقبلة، تتمثل في إعلان الإدارة الأمريكية عن تقديم ضمانات إلى القيادة الفلسطينية، من أجل سحب مشروع القرار وهو أمر سيصعب عليها الإقدام عليه، في ظل عدم ثقتها في الموقف الأمريكي ولا في إمكانية الوصول إلى تسوية في ظل وجود حكومة بنيامين نتنياهو.
في ضوء هذا التطور المرتقب من قبل الإدارة الأمريكية، فإن الجانب العربي يحذر من مخاطر اللجوء إلى استخدام الفيتو فهو- وفقا لما أكده لكاتب السطور السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة - سيضر بالقضية الفلسطينية، وسيستغله المتطرفون، وسيعلي في الآن ذاته من سقف الإحباط واليأس على نحو يسهم في تأجيج التوتر الراهن في المنطقة، ومن ثم يتطلع إلى أن تتجاوب الولايات المتحدة مع الجهود الرامية لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وفق سقف زمني محدد، وذلك من خلال تجنب اللجوء إلى استخدام حق النقض – الفيتو- ضد مشروع القرار الفلسطيني، وأن تتبنى في المرحلة الراهنة موقفا جديدا يساعد على تكريس السلام في الشرق الأوسط، وينهي الصراع العربي الفلسطيني الذي يمتد إلى أكثر من ستة عقود مستندا في ذلك إلى قناعة لديه بأن واشنطن هي من تقبض إنقاذ المنطقة، إذا ما وافقت على مشروع القرار الأمر الذي من شأنه أن يعيد الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى خيار المفاوضات، الذي سيقود إلى إنهاء الاحتلال وإعلان الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل وفق حل الدولتين.
وثمة تفاؤل لدى السفير صبيح في ضوء ما يشهده مجلس الأمن حاليا من مشاورات واتصالات، لإجراء بعض التعديلات على مشروع القرار المقدم إليه، وذلك بهدف أن ينال أكبر مساحة من التأييد له سواء من قبل الأعضاء الدائمين بالمجلس، أو من الدول غير الدائمة العضوية أو المجموعات الدولية في الأمم المتحدة، ويقول: إن ممثلي المجموعة العربية في نيويورك، وكذلك الأمانة العامة للجامعة العربية وعددا كبيرا من وزراء الخارجية العرب، قاموا خلال الساعات الأخيرة بتكثيف اتصالاتهم مع أعضاء مجلس الأمن وغيرهم من أطراف مؤثرة في المنظمة الدولية، من أجل الوصول إلى مشروع قرار يحقق أهداف التحرك العربي وفي الوقت نفسه يستجيب لمطالب بعض الأطراف الأخرى، ويشير إلى أن هناك في هذا الصدد مشروع قرار فرنسي إلى جانب المشروع الفلسطيني المدعوم عربيا، فضلا عن أنباء تتحدث عن مشروع قرار أمريكي لم يطرح بعد لكنه يشدد على أهمية ألا تخل عملية التوافق التي تسعى إلى بلورتها المشاورات الحالية في مجلس الأمن بالهدف الأساسي الذي تسعى إليه القيادة الفلسطينية والجانب العربي، والمتمثل في تحريك المياه الراكدة للوصول إلى مفاوضات حقيقية وجادة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وتحديد موعد لانسحاب القوات الإسرائيلي، وكذلك تحديد زمن للمفاوضات وللوصول إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وهو ما يحظى بموافقة الجميع ماعدا إسرائيل وبعض الأطراف الدولية المساندة لها.
وبالطبع يتبقى السؤال الجوهري: ما العمل أمام الفلسطينيين في حال اللجوء الأمريكي إلى استخدام حق النقض لإجهاض مشروع القرار الفلسطيني؟ الإجابة قدمها الفلسطينيون أنفسهم عبر مسارين، جسد أحدهما الخيار السياسي من خلال طلب الانضمام إلى المنظمات والاتفاقيات والبروتوكولات الدولية التابعة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية والأخيرة تتيح المطالبة الفلسطينية بالتقدم إليها لإجراء محاكمات لقادة الكيان الصهيوني، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة إنسانية ضد الفلسطينيين، وهو خيار يحبذه الرئيس محمود عباس وأعلن عنه بوضوح خلال الساعات الأخيرة نبيل شعث مسؤول العلاقات الدولية باللجنة المركزية لحركة فتح، بينما الخيار الثاني ينزع إلى العودة إلى خيار الانتفاضة الشعبية وإعلان المقاومة وهو ما تميل إليه قيادات راديكالية بفتح وأغلبية الفصائل الفلسطينية الأخرى.
رثاء في أخي عبدالعزيز
أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما زال الغياب يرفض أن يصبح حقيقة. ما زلتُ كلما اجتمعنا... اقرأ المزيد
342
| 07 يونيو 2026
لماذا أخفقت توقعات الـ 200 دولار للبرميل؟
أثقلت كاهلنا توقعات خبراء النفط والمحللين الاقتصاديين المتكررة منذ سنين؛ بأن أي مواجهة عسكرية، أو أزمة سياسية، أو... اقرأ المزيد
312
| 07 يونيو 2026
رفيق كل الدروب
في رحلة الحياة الطويلة، نلتقي بالكثير من الأشخاص. بعضهم يمر كنسمة عابرة لا تترك أثراً، وبعضهم يمر كفصلٍ... اقرأ المزيد
234
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2808
| 31 مايو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2589
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2559
| 02 يونيو 2026