رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا المقال ليس الأول الذى أتناول فيه موضوع مواقع التواصل الإجتماعى وما ينضوى تحت لوائها .. فقد كان لى السبق فى كتابة عدة مقالات تحت عنوان " الفيسبوك " ثم " الفيسبوك .. 2 " وبعد ذلك كتبت المقال الشهير " ليس دفاعا عن الفيسبوك " .. وأخيرا كان مقال " الفيسبوك وزهرة الغاردينيا " تناولت فيه إبداعات الزميل الشاعر حسين حرفوش .. كل ذلك كان خلال السنوات القليلة الماضية .. والفيسبوك هو أشهر روافد هذه المواقع وبالتالى يكاد يكون هو المصدر الأكثر فاعلية للثقافة الإليكترونية .. والمقصود بالثقافة الإليكترونية هنا أنها ثقافة الصورة والحركة والقراءة العابرة وهى ما نجده بصفة أساسية عبر الإنترنت وما يتفرع منه من وسائل التواصل الإجتماعى .. ولعل هذا هو السبب فى أننى إستخدمت كلمة الفيسبوك دون غيرها كعنوان للمقالات السابقة التى ذكرناها آنفا .. ونلاحظ أن ثقافة الإنترنت هذه قد إنتشرت فى المجتمع العربى بشكل غير مسبوق خلال السنوات القليلة الماضية وأفسحت المجال أمام الجميع تقريبا " للكلام " أو بالأحرى إبداء الرأى .. وهو ما لم يكن مسموحا به لفئات عديدة من المجتمع .. وكان معظم هذه الفئات تتحدث همسا فى السر بالرغم من أن كلامها فى معظم الأحيان لا يتسبب فى ضرر ملموس للمجتمع .. ولكن إزاء إمكانية إسكاتهم فى أى وقت وما يصاحب ذلك من إجراءات دراماتيكية فقد آثر هؤلاء الهمس .. كان ذلك يحدث فى الماضى .. ولكن ما يحدث الآن ونلمسه جميعا شئ مختلف تماما .. فقد أعطت وسائل التواصل الإجتماعى حق التعبير عن الرأى للجميع .. وصار أبسط الناس يعبر عن رأيه علانية شأنه فى ذلك شأن من يحمل جائزة نوبل .
ليس هذا فقط ولكننا نلمس فوائد إيجابية عديدة لعل أهمها بعد إتاحة الفرصة للتعبير عن الرأى لكافة الناس - كما أسلفنا - لعل أبرزها سهولة وسائل التواصل وسرعتها المتناهية .. فقد أصبح التواصل غاية فى السهولة وبتكلفة زهيدة لا تكاد تذكر .. سواء كانت سهولة الإتصال بسبب وجود خدمة الإنترنت نفسها والتى أصبحت فى كل بيت يتساوى فى ذلك أغنى الأغنياء مع أفقر الفقراء .. أما أدوات الإتصال ذاتها فتتراوح بين أجهزة الكمبيوتر الثابتة والمتنقلة والمعروفة ب " اللاب توب " أو " التابلت " وصولا إلى جهاز تليفون فى حجم كف يد الإنسان ينتقل به فى أى مكان فى العالم .. سواء على الأرض أو حتى فى الفضاء عند ركوب الطائرة .. فهل هناك سهولة أكثر من هذا لإرسال أو تلقى ما نشاء .. بل إن الأمر إمتد ليشمل مكالمات صوتية مجانية – غير الكتابة والصورة – على مواقع عديدة مثل " الفايبر " وال " لاين " وال "واتس أب " وال " ماسينجر " .. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن معظم هذه المواقع أصبحت تتيح تلك الخدمات بالصوت والصورة معا .. حتى أنك تجلس أينما كنت وترى وتحاور من تريد فى أى مكان فى العالم .
أما عن سرعة التواصل فحدث ولا حرج .. فأى إنسان فى أى مكان يمكنه أن يعرف معظم ما يحدث فى العالم فور وقوعه سواء كان ذلك من الأصدقاء والزملاء أو من المواقع الإخبارية التى تمتلك شبكة مراسلين فى كل الدنيا وما على من يرغب فى المتابعة إلا أن يضع علامة الإعجاب " لايك " ليكون كل شئ بين يديه .. ونحن نقول ذلك دون مبالغة لأن الجميع يلمسون ذلك بأنفسهم .. وعن نفسى أنا كاتب هذه السطور فإننى أتواصل مع أصدقاء وزملاء فى قارات العالم الخمس بصفة شخصية أو ما يلزم للعمل الصحفى .
ولعل القراء الأعزاء يلاحظون أننى فى الكثير من كتاباتى أحذر من مغبة أن يزيد أى أمر عن حده حتى لا ينقلب إلى ضده .. وهى قاعدة معروفة للجميع ولكن معظمنا ينساها فى غمرة إنفعاله .. وقد يتناساها البعض عامدين ظنا منهم أنهم بعيدون أو بمنأى عن خطر زيادة الحد .. وهذا هو ما نلمسه فى تعاملنا مع وسائل التواصل الإجتماعى وأشهرها - كما أسلفنا - هو الفيسبوك .. فماذا يحدث على الفيسبوك .
على هذه الصفحات هناك الكثير ممن يتعمدون خفة الدم ويدونون ما يجعل القارئ يبتسم من تلك الحماقات التى يكتبونها وخاصة هؤلاء الذين يذيلون كتاباتهم بألقاب يطلقونها على أنفسهم مثل المفكر أو المبدع أو الشاعر أو الأديب .. وهناك من يجمع بين عدد من هذه الألقاب أو كلها ويجعلونها تسبق أسماءهم ويطلب منك أن تضع له علامة الإعجاب " لايك " .. وإذا ما إنصرفت عنه تجده فى موقع آخر وكأنه مكلف بمطاردتك .. والأمر العجيب حقا أن يكتب تعليقا على عباراته التى دونها بنفسه ووضع عليها علامة الإعجاب فى موقع سابق ولا يفوته فى تعليقاته أن يشيد بعمق الأفكار وثراء اللغة وعبقرية كاتبها مع أن عبارته لا تخرج عن كونها أحد الأمثال الشعبية المنتشرة أو إحدى الحكم البسيطة مثل السكوت علامة الرضا أو الموت نهاية كل حى .. وهكذا .
أما الأكثر عجبا فهو من يقوم بتكوين مجموعة " جروب " وطبعا لابد أن يحمل إسمه .. ويضم إليه من يشاء وقد يكون بعض هؤلاء لا يعرف شيئا عن هذا الجروب .. والمشكلة أنه يصدق نفسه فيسمح بنشر الآراء التى تروق له وتوافقه الرأى والرؤى ويمنع من يخالفه الرأى فى تدوين أفكاره عبر الجروب حتى ينتهى به الأمر إلى أن يظن صاحبنا هذا أن الجروب قد أصبح حزبا وهو رئيس هذا الحزب .
وإلى جانب كلا الطرفين تجد بعض من حسنى النية من يصدقون كل ما يبث عبر هذه الوسائل دون تحرى الدقة أو البحث عن إثبات أو دليل على ما يقرأه برغم ما قد يلمسونه من تحامق أو شطط فى الرأى والتى لا يهتم من يوزعها على الناس بتقديم إثبات أو شاهد وقد يكون من بين ما يبثونه نصائح طبية أو وصفات لتقليل الوزن وهو ما تُغرم به السيدات .. وقد يكون من بينها كذلك عبارات أو موضوعات دينية بينها ما هو صحيح وما هو مشبوه تغلب عليه مسحة المبالغة لدغدغة مشاعر البسطاء .
أما الأخطر من كل هذا فهو ما يتعمده البعض للتأثير على الرأى العام والتحريض على فكر معين وغالبا ما يكون ذلك من الجانب السياسى وهو ما قد يؤثر سلبا أو إيجابا على مصالح الأفراد والجماهير والأوطان .
وفى النهاية نقول أن هذه الوسائط الإليكترونية قد دخلت حياتنا جميعا من أوسع الأبواب وإحتلت مكانة فى حياتنا يصعب تجاهلها وأصبحت جزء من حياتنا .. وبناء عليه نقول أنه لا بأس من ذلك شريطة أن ندقق فيما يصلنا لنفرق بين الغث والسمين خاصة وأنه لا توجد – حتى الآن – قوانين أو تشريعات معمول بها لحماية الناس أو على الأقل مساءلة من يخرج عن الحدود المتعارف عليها فى التعامل بين الناس .
ونأمل أن نتمكن من مناقشة أثر مواقع التواصل الإجتماعى على الثقافة .. وسيكون هذا هو موضوع مقالنا القادم بحول الله .
بقلم : د . مصطفى عابدين شمس الدين
drmostafaabdeen@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6852
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4095
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3396
| 10 يونيو 2026