رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

825

عصام بيومي

لو كنت رئيساً...!

23 مارس 2025 , 02:00ص

بعد المهانة الكبيرة التي تعرض لها الرئيس الأوكراني زيلينيسكي على يد الرئيس الأمريكي ترامب، أحسب أن رؤساء دول نامية كثيرة باتوا يضربون أخماسا بأسداس في محاولة إيجاد تكتيكات لمواجهة عاصفة الانفلات من أي قواعد أو بروتوكولات تعارف عليها المجتمع الدبلوماسي على مدى القرون الأخيرة.

فما نشهده الآن هو التطبيق الحرفي فعليا ولكن بشراسة كبيرة لنظرية «البقاء للأقوى» ولكن على مستوى الدول، وبدون حروب. ففي ساحة السياسة الدولية، التي باتت بالغة التعقيد، يأتي ترامب، الذي «تم اختياره بعناية» لهذه المرحلة، ليطبق النظرية.

* فقد قدمت رئاستا ترامب-1 وترامب-2، اللتان تتميزان بتكتيكاته المفاجئة والعدوانية، تحديات غير مسبوقة للقادة حول العالم، وخاصة رؤساء الدول النامية. وبالنسبة لرئيس دولة، وخاصة نامية، فإن اجتياز هذا المشهد يتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الإستراتيجية، والمرونة الاقتصادية، والقيادة المبتكرة، لضمان حفظ سيادة وطنه ووجوده، خاصة بعدما ألمح ترامب إلى احتمال اختفاء دول من الوجود.

وهذا يتطلب فهم تكتيكات ترامب، التي تتلخص في أنها خارجة عن العرف الدبلوماسي وأقرب إلى أيديولوجيا غير دبلوماسية وفق ما أشارت تقارير عدة في الفترة الأخيرة. ومن ذلك اتباعه سياسة خارجية متقلبة وغير متوقعة لإرباك ضحاياه، والمطالبة بأمور خارجة عن الحسبان والمنطق وحتى عن التنفيذ، ثم تصعيد الضغوط باستخدام التهديدات الاقتصادية، كالعقوبات والتعريفات الجمركية، لإجبار الدول على الامتثال. بعد ذلك يلجأ للدبلوماسية العامة، أي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات العامة لزيادة الضغط وتشكيل المواقف والتنصل منها بعيدا عن الشكل المعروف لسياسات الدول. وتاليا يلجأ إلى المفاوضات الثنائية والصفقات الفردية بدلا من الاتفاقيات متعددة الأطراف إعمالا لمبدأ فرق تسد.

* وعلى مستوى الكلام الأكاديمي يمكن القول إن هذه تكتيكات لا يمكن التصدي لها في ظل موازين القوى الحالية إلا بتعزيز التحالفات الإقليمية القوية. فمن خلال التعاون مع الدول المجاورة والتكتلات الإقليمية، يمكن لرئيس دولة نامية ماهر تشكيل جبهة موحدة. فعاصفة ترامب لا يكفيها رئيس واحد ماهر، بل هي تحتاج إلى تكاتف دول عدة ووقوفها وقفة واحدة. ومن ثم يمكن لقوة التفاوض الجماعية أن تخفف من تأثير العقوبات الاقتصادية والتعريفات الجمركية «الترامبية». وانطلاقا من نموذج كندا التي وضعت معظم بيضها (صادراتها) في سلة أمريكا يتضح أن الاعتماد المفرط على شريك اقتصادي واحد يكون دائما محفوفًا بالمخاطر.

*وفي مواجهة محاولات ترامب المتكررة لتجاوز المؤسسات الدولية، يجب التمسك بهذه المنصات لأنها توفر للدول النامية الملاذ الأخير للحصول على الدعم والتأييد، حتى برغم سيطرة الولايات المتحدة على نسبة كبيرة من مقدرات صناعة القرار في تلك المؤسسات.

ولو كنت رئيسا لتحصنت بكل ما يتوفر من مرونة دبلوماسية لمواجهة مفاجآت ترامب. فالرئيس الماهر هو من يستطيع قراءة المواقف، وتوقع الخطوات، والرد بسرعة. وهذا لا يتحقق إلا ببناء جهاز دبلوماسي نشط والانخراط في مفاوضات سرية لإدارة الأزمة وإيجاد أرضية مشتركة.

* وهنا يجب الاهتمام بتسليط الضوء على الآثار اللاأخلاقية للتكتيكات العدوانية الترامبية. ففي عصر المعلومات، يصبح التحكم في عرض المواقف والآراء أمرا بالغ الأهمية، وهذا ما يفعله ترامب شخصيا من خلال تويتر (X) ومن خلال منصته الشبيهة. لذلك لو كنت رئيس دولة نامية لبادرت إلى استخدام وسائل التواصل الإستراتيجي لمواجهة الصور السلبية والمعلومات المضللة التي يروجها ترامب وقبيله. ويمكن لوسائل التواصل، والصحافة الحرة، ومبادرات الدبلوماسية العامة أن تساعد في تشكيل صورة عالمية إيجابية لكسب الدعم الدولي في مواجهة حملات التشويه والترهيب «الترامبية».

* أما على مستوى دبلوماسية القوة والرأس بالرأس، فهناك نماذج عدة يمكن تطبيقها. فلو كنت رئيسا لفعلت مثلما فعلت كندا الجارة الضعيفة عسكريا نسبيا، إذ هددت بإغراق أمريكا في الظلام بوقف تزويد عدد من ولاياتها بالكهرباء. وبدأت خطوات لتعزيز تعاملاتها مع اقتصادات بديلة، مثل الصين والهند، لتوفير أسواق بديلة. أو كما فعلت اليابان التي فرضت رسوما جمركية بمقدار 700 % على الأرز الأمريكي. كما أن في نموذج كوبا مثالا كافيا على كيفية تعامل دول نامية مع تحديات العقوبات الأمريكية طويلة المدى. ولو كنت رئيسا لأخذت بنصيحة «الإيكونوميست» التي دعت رؤساء الدول الحليفة لأمريكا إلى «الاسترجال» في مواجهة ترامب، أي التصدي بقوة وجرأة لتهديداته.

* ربما تبدو سياسة ترامب تحديا كبيرا، إلا أن التصدي لها ليس مستحيلا. لكن أساليب المواجهة تلك لن تجدي من دون فهم الأساس العقائدي والخط التنظيري الذي يعمل وفقه ترامب وفريقه وهو خط أشرت إليه سابقا بحديثي عن نظريات «أنبياء العولمة» ومنهم أنتوني جيدينز، والذي يوصف، في الغرب طبعا، بأنه أهم عالم اجتماع خلال العقود الخمسة الماضية. وقد بشرنا بأننا نعيش في «عالم منفلت» في كتاب بنفس العنوان عام 2000. ففي ضوء تلك النظرية يصبح من الطبيعي أن يقود العالم المنفلت رئيس أو زعيم منفلت أيضا، ولو كنت رئيسا لتعاملت معه بقدر مناسب من الانفلات. وأحسب أن من يديرون المشهد من خلف ستار ترامب إما مبتدئون تعوزهم الخبرة أو أشرار منفلتون مثله يريدون إحداث أكبر قدر من الفوضى، وربما الحروب، في العالم لأسباب لا شك ستكشفها الأيام.

مساحة إعلانية