رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للنجاح الاقتصادي شروط أهمها المثابرة واعتماد السياسات المناسبة وتنفيذها بدقة. من أهم ملامح الاقتصاد الصيني اليوم التغيرات المستمرة المدفوعة من القطاع الخاص خاصة من الأعمال المبدعة الجديدة. سمحت الحكومات الصينية لقطاع الأعمال بالازدهار عبر تأمين المناخ السياسي والقانوني كما المؤسساتي المناسب. تميز الصينيون مؤخرا في الإبداع الحقيقي بعد سنوات من الجمود الذي سببته العقائد السياسية الشمولية المطبقة منذ الأربعينيات. في الثمانينيات، كان الصينيون فقراء والشركات صغيرة إذ لم يكن بالإمكان توريث الثروة أو نقلها عبر الأجيال. تغيرت الشروط القانونية بفضل وعي القيادات، مما سمح للصينيين بتحقيق النجاح المادي الفردي وحتى تجميع الثروات. في سنة 2010، كتبت مجلة "فوربس" أن هنالك 64 مليارديرا صينيا من دون هونغ كونغ التي تضم وحدها 25 مليارديرا. وقعت الصين في المركز الثاني من حيث العدد وراء الولايات المتحدة التي ضمت 403 مليارديرات أي 40% من المجموع العالمي. هنالك أكثر من 4 آلاف ناطحات سحاب في شنغهاي. توسع حجم الوحدة السكنية للفرد في الريف الصيني من 13.5 متر مربع في سنة 1989 إلى 31.6 في سنة 2007.
استثمارات البنية التحتية
استثمرت الحكومات الصينية في البنية التحتية والاقتصادية لتسهيل عمل الشركات. اعتمدت السياسات الاقتصادية التي حققت الاستقرار الضروري للاستثمارات والنمو، خاصة تلك التي وضعت في عهد "دينغ سياو بينغ". لم تعرف الصين أزمات مالية كالتي عرفها الغرب لا في حدتها ولا في عمقها وامتداداتها. من الأسباب الأساسية للحماية أنه من غير المسموح للمؤسسات المصرفية والمالية أن تعتمد المخاطر التي سببت إفلاسات كبيرة لها ولعملائها في الغرب. القوانين الصينية تقيد أعمال المصارف في حجم قروضها وأدوات الأعمال، مما يجنبها كما الاقتصاد عموما الخسائر الكبرى. هنالك من يقول إن القوانين تحكم الولايات المتحدة الأمريكية، بينما الشعب هو الذي يحكم الصين. ما هي المشاكل الأساسية التي مازالت تعاني منها الصين؟
أولا: الفساد الذي يمتد إلى كافة مؤسسات الدولة، يؤثر الفساد سلبا على سوء توزع الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية. في مؤشر "الشفافية الدولية"، تقع الصين في المرتبة 75 أي وراء البرازيل وإيطاليا وغانا ودولة إفريقيا الجنوبية مما يشير إلى عمق المشكلة وصعوبة بل ضرورة المعالجة. النجاح الاقتصادي لا يمكن أن يشمل كل طبقات المجتمع بوجود فساد مبني حكما على الاستغلال والغش وسوء معاملة المواطن.
ثانيا: في مؤشر "التنافسية" الذي يصدره سنويا مؤتمر دافوس في آخر الشهر الأول من كل سنة، تقع الصين في المرتبة 26 وراء كوريا الجنوبية وإسرائيل وماليزيا وحتى تايوان الصينية. يبنى المؤشر على عوامل عدة منها البنية التحتية للدولة كما البنية الفوقية ومنها الصحة والتعليم. هنالك مشكلة في القطاع الصحي في جانبيه أي من ناحيتي العرض والطلب. هنالك ضرورة لتطوير خدمات التأمين من ناحية الطلب وبناء مستشفيات ومستوصفات وعيادات حديثة ومتطورة من ناحية العرض حتى يتحقق التوازن.
ثالثا: الطاقة والبيئة وترابطهما إذ إن الصين هي من أكبر المستهلكين للطاقة في العالم ومن المتوقع أن يرتفع استهلاكها لها بدأ من سنة 2020 حيث تصبح الاقتصاد الأكبر في العالم. لم توقع الصين على العديد من الاتفاقيات البيئية التي تفرض عليها احترام شروط النظافة البيئية المهمة لسلامة المواطن ومستقبل الشعب.
رابعا: رغم تحقيق نمو سنوي كبير بلغ 10.4% في سنة 2010 وانحداره إلى ما فوق 7% فيما بعد، مازالت الصين تكبر في وقت مرضت خلاله الاقتصادات الغربية بسبب الأزمات وسوء الإدارة والمغامرات المالية التي فاقت الحدود والمنطق. تبقى نسب البطالة المعلنة في حدود 4% والتضخم 3%، لكن الفقر مازال موجودا وعميقا وهنالك طبقات شعبية لم تستفد بعد كما يجب من النمو المدهش المتواصل. يبقى ميزان الحساب الجاري فائضا بسبب الصادرات بينما يقع عجز الموازنة في حدود مقبولة جدا لدولة بحجم الصين. يرتفع الاحتياطي النقدي إلى مستويات مرتفعة حتى بالمقارنة مع الدول الغنية.
المرتبة 91 في مؤشر "سهولة الأعمال"
خامسا: رغم نجاح الصين في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها، إلا أنها لا تحصل إلا على المرتبة 91 في مؤشر "سهولة الأعمال" الذي يصدره سنويا البنك الدولي. تقع وراء سيريلانكا وزامبيا وتركيا وغيرها. تتأخر الصين كثيرا في العديد من القوانين منها ما يرتبط بتأسيس الشركات الجديدة ورخص البناء والقوانين الضرائبية وغيرها. يشير هذا الواقع إلى الفرص الكبيرة التي مازالت متوافرة أمام الصين في حال قررت تحديث قوانينها أو الأهم منها.
تشير كل التوقعات إلى تفوق الاقتصاد الصيني على الغربي وفوزه بالمركز الأول في سنة 2020، فمن أين يأتي هذا النمو؟ ما هي مصادره والدوافع له؟ يقول الاقتصادي "روبرت فوغل" إن النمو ينبع من التراكم السريع للإنجازات التقنية، من تحول اليد العاملة من قطاعات ذات إنتاجية منخفضة إلى أخرى ذات إنتاجية عالية كما من الاستثمارات السخية في الإنسان. يقول الاقتصادي "غريغوري شاو" في كتابه "تفسير الاقتصاد الصيني" إن المصادر هي متعددة علما أن الصين غنية اليوم وبالتالي دوافع التغيير تصبح أقل من الماضي. هنالك طبقة سياسية حاكمة تخشاه خوفا من المخاطر التي يحملها التغيير والتي يمكن أن تعرقل المسيرة الناجحة حتى اليوم. هل ما يحصل اليوم في الصين يعتبر "أعجوبة اقتصادية" كما وصفها البنك الدولي في كتابه الشهير عن شرق آسيا؟ يقول "شاو" إن ما يحصل مع الصين منذ فترة شبيه بما حصل في اليابان قبل وبعد الحرب العالمية الثانية وكما حصل مع الصقور الأربعة بدأ من الستينيات إلى الثمانينيات أي مع هونغ كونغ الصينية وسنغافورة وتايوان الصينية وكوريا الجنوبية. تطور الصين ليس أعجوبة ويرتكز على التقدم في الميادين التالية:
أولا: تطور البحث في العلوم والتكنولوجيا بحيث تسبق الصين معظم الدول المنافسة. لا يهم إذا كانت الاستثمارات محلية أو غربية، المهم أنها تنبع من الداخل الصيني ومن خبراء محليين ومستوردين يستفيد منهم الاقتصاد. ترتكز الصين على رأسمال إنساني مميز ومؤسسات تعمل في اقتصاد لم ينضج كليا بعد، أي مازال يحتاج إلى الكثير مما يشير إلى أن فرص التقدم تبقى كبيرة.
ثانيا: النشاطات الأدبية والفنية والثقافية، إذ لا يمكن لدولة عظمى أن تتجاهل هذا الجانب الذي يؤثر على الجوانب الأخرى. هنالك وعي صيني كبير لأهمية الآداب التي تعطي جوا مناسبا لتقدم العلوم والإنتاج والإبداع في كل القطاعات.
ثالثا: بالتزامن مع التقدم في العلوم والفنون، ستصبح الصين أغنى أكثر فأكثر مع الوقت، وبالتالي ستستثمر في الخارج أكثر مما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي الدولي. سيتحقق ذلك بالتزامن مع التطور السياسي الديمقراطي الذي تجاهلته الصين في السابق أو لم تعطه الأهمية التي يستحقها لأسباب معيشية واقتصادية.
السياسات التصحيحية:
لا شك أن الصين أصبحت غنية اليوم بسبب تراكم السياسات الصحيحة ومنها السكانية. الصينيون متعلمون أكثر بكثير من الماضي وبالتالي قادرون على الاختيار بين الجيد والسيئ أي بين الاستثمارات المربحة أو الفاشلة. ينتقل الصينيون تدريجيا وبنجاح من التعلم إلى الإنتاج والإبداع في العلوم والتكنولوجيا والتربية. يتحرك القادة الصينيون اليوم بحرية أكثر حتى الذين ليسوا في أعلى الهرم. العصر الذهبي الصيني قادم حتما ليس فقط في الاقتصاد وإنما في مختلف الحقول. يرتكز التقدم على القوانين والمؤسسات الجديدة كما على التحسن في الميدان الأخلاقي ولو ببطء، مما يشير إلى استمراريته لمدة غير قصيرة.
فنّ الثبات في زمن التقلّب
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد
207
| 06 أغسطس 2026
العقل في إجازة
هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد
252
| 05 أغسطس 2026
كرة القدم ونحر القيم
أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد
390
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5172
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
2565
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2343
| 01 أغسطس 2026