رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت تشع بالحياة، وكل ما فيها ينبض بالأمل؛ لأنها إنسانة صادقة مع الجميع؛ لذا فلقد كانت المفضلة لدي، ولم تكن مجرد صديقة بل الأفضل على الإطلاق، وعليه فلقد دامت صداقتنا لأعوام طويلة جداً، لم يُقدر لها بالتجمد إلا بعد أن رحلت إلى مكان آخر؛ بسبب أمنية لطالما رغبت بها، وسطعت في أعماقها دون أن يعلم بأمرها؛ ليشاركها تلك الحكاية الجميلة سواي، ودون أن تعلم هي ذاتها بأن تلك الحكاية لن تستمر طويلاً على ذات المنوال. ككل الفتيات فلقد كانت تلك الصديقة، تحلم باليوم الذي ستصبح فيه زوجة وأماً لأبناء الرجل الذي لطالما حلمت به، دون أن يدرك بأنها تفعل، فحبها له لم يتجاوز حدود الإعجاب البريء من طرف واحد فقط، اكتفت برسم تفاصيله وملامحه بينها وبين جدران ذاك القلب، الذي ظل يدعو الله طويلاً؛ كي يفوز بما يريد، وكان له ذلك حين تقدم ذاك الرجل دون سواه لخطبتها، وخطفها من الجميع، إلى مكان آخر بل وحياة أخرى رحلت إليها مُكللة بكثير من الأمنيات الصادقة بأن يدوم الحب، ويصل بهما إلى قمة السعادة، والحق أنه ما حلمنا به لهما، وتوقعناه. في البداية كنت متابعة لحياة تلك الصديقة ولكل جديد يطرأ عليها، ثم جرفتني الحياة بعيداً نحو تلك الالتزامات التي أجبرتني على نبذ أغلب الأشياء التي اعتدت عليها، والتركيز عليها فقط، حتى انغمست بها، وكللني التقصير من كل جانب، وأصحبت بعيدة جداً لا علم لي بما يدور مع الآخرين، وتحديداً مع تلك الصديقة، التي وردني اتصالها منذ أيام فقط، وكان وأن تلقيته بكل شوق؛ لمحادثة صديقة عمري، التي تركتها مع حب حياتها، ولكنها عادت إلي بحياتها دونه ذاك الحب، إذ بدت مُتعبة حين تحدثت معي بصوت شاحب اكتسحه الخوف من مصير كانت تدركه ولكنها ظلت تتجاهله، ومن نهاية حكمت على تلك المحادثة بالشتات حتى من قبل أن تبدأ. كان صوتها يرجف من شدة الحزن، وكنت بدوري قلقة من عدم قدرتي على احتواء الموقف، الذي خضع للصمت للحظات ثم انفجر حين بكت، وصرخت قائلة (ساعديني، فحياتي على وشك أن تنهار، والسبب إني أنثى لا حول لي ولا وقوة) ثم انقطع الاتصال؛ معلناً نهاية تلك المحادثة التي ظلت عالقة في رأسي، ولم تسمح لي بفعل أي شيء سواه التفكير بمصير تلك الأنثى وغيرها.
حقيقة ستغير الكثير من الأشياء
ما أعرفه عني ولا يعرفه سواي هو أني: لا أنحاز ولكني أتأثر وأميل نحو من يؤثر علي؛ لأسباب شرعية تُبيح لي ذلك؛ لذا كثيراً ما تؤثر علي تلك القصص التي تُروى وأسمعها من شخصياتها التي تبث فيها الحياة، وأعيش بفضلها كل تلك التفاصيل، التي أبثها فيما بعد من خلال كلماتي التي تطل عليكم بأشكال مختلفة، منها ما قد ورد في هذا المقال، الذي قضم تفكيري ولأيام قبل أن يكون، فمن نتحدث عنها هنا، ليست صديقتي فحسب، ولكنها تلك الأنثى التي تعيش بداخل كل أنثى، ولا تلتفت إليها فحسب، ولكن إلى كل من حولها ممن يهمها أمرهم وتحرص على أن تبذل كل ما في وسعها؛ كي تبث السعادة فيهم، حتى وإن تطلب منها ذلك تقديم الكثير، والتنازل عن الكثير أيضاً، وهيهات أن يكون لها ما تريد كما تريد وفي الوقت الذي تريد فيه ذلك أيضاً.
لماذا وقع الاختيار على هذا الموضوع؟ وهل شركة الحياة الزوجية للزوجة فقط؟
على الرغم من أن ديننا الإسلامي الحنيف قد كفل للمرأة حقها، الذي لن يضيع متى التزم كل واحد منا بدوره، إلا أننا قد اعتدنا في مجتمعاتنا الشرقية على رؤية الزوجة وهي تتحمل كل شيء؛ لإنجاح حياتها الأسرية، حتى وإن كان في ذلك ما سيحرمها فرصة التمتع بكل لحظات الحياة الجميلة، التي تحتاج لمن تترقبها ومن ثم تراقب نفسها وسطها وهي تعيشها بالطول وبالعرض، والحق أنه ما يكون من الزوجة وتُقدم عليه (مُكرهة) يجرها نحو فعل ذلك حرصها على (الستر)، وخوفها من (الطلاق) الذي تتعامل معه على أساس أنه فضيحة وللأسف الشديد ستؤثر عليها كثيراً بخلاف ما يحدث للزوج، الذي ومتى قرر الانسحاب من العلاقة التي تربطه بها فسينسحب دون أن يهزه أي شيء، في حين أن تلك ستظل قلقة من شدة الخوف، الذي سيُجبرها على العمل وبجد؛ كي تضمن الستر، وعدم الكشف عن حقيقة ما يحدث خلف الكواليس من ظلم بحقها وبحق ما تبقى لها من كرامة، لن تُصرفه على ذاتها، ولكن على محاولاتها المستميتة لإنقاذ حياة لربما تستمر، ولربما لن يكون لها ذلك، فهو كل ما يعتمد على ما ستبذله من صبر (تحسب بأنه سيمنحها المزيد من الوقت) دون أن تدرك أنه ما لن يعود عليها بشيء من الفائدة ما لم يكن منها ومن الآخر الذي يُدعى (زوج) ويجدر به بأن يكون كذلك، بل ويتصرف على ذاك الأساس؛ لأنه وإن فعل فسينقذ تلك الشركة من الانهيار، وسيحافظ على الإنتاج بقدر يسمح له بأن يكون الأفضل على الإطلاق، مما يعني أن الأمر لا يعتمد على طرف دون آخر، بل على الجميع، والأمل بأن تصل الرسالة.
وماذا بعد؟
لقد رغبت بفعل المزيد من أجل صديقتي، وكل من تعاني مثلها، ولأن الموضوع أكبر من أن تحتويه صفحتي الأسبوعية، فلقد قررنا دراسة الموضوع خارج حدود هذه الصفحة، من خلال تواصل سيمتد (لفترات طويلة)، سيُحقق المُراد وبإذن الله تعالى، وهو ما قد تعمدت ذكره لكل من سينتابه الفضول وسيتناوب عليه حول ما حدث لصديقتي، وما سيدور في حياتها بعد حين، لاشك سأتطرق إليه حين تصبح الرؤية أوضح، وإلى هنا يكفي بأن أشير إلى أن الحياة فيها الكثير مما يحدث خلف الأبواب ولا نعرف عنه إلا ما يصلنا منه فقط.
من همسات الزاوية
حين يتعلق الأمر بك وحدك، فلاشك أن مهمة تقرير المصير تعتمد عليك، وتُسند إليك بالدرجة الأولى فما نتحدث عنه هو (أنت)، ولكن وحين يتعلق الأمر بك وبغيرك فلاشك أن مهمة تقرير المصير ستكون مناصفة بينك وبين الآخر، الذي يهمه تحسين ما بينكما والوصول به إلى بر الأمان بقدر ما يهمك أنت أيضاً، وعليه لا تفكر بنفسك، وتستند إلى قدرتك على إدارة الأمور؛ لتوجيه حياة ليست لك وحدك، بل لآخر غيرك يستحق منك محاولات جادة؛ للنهوض بما قد سقط من قبل ويحتاج لفرصة أخرى للتعويض عن كل ما قد فات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3612
| 03 نوفمبر 2026