رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تفتأ الدعاية الصهيونية إلا وتعيد نبش الملف العزيز عليها وهو الزعم بـ "تحالف الحاج أمين الحسيني مع هتلر". وفي كل مرة يُفتح فيها هذا الملف يتم إضافة أكذوبة جديدة أو مبالغات نوعية إلى أن تضخم الملف كله. مؤخراً ووصولا إلى إحدى محطات التضخيم المتواصل تدهشنا تلك الدعاية الوقحة بتصوير أمين الحسيني على أنه صاحب فكرة إبادة اليهود وهو من اقترحها على هتلر. هتلر الذي لم يكن يسمع من أحد سوى عقله المريض. والعنصري تجاه العرب والمسلمين كما كان عنصريا ضد اليهود. يصبح طفلا طيعا بين يدي المفتي الحسيني ويستمع لاقتراحاته واستراتيجياته. المفتي الذي أقرب إلى السذاجة عندما تعلق الأمر بالصراعات الدولية في تلك الحقبة يصبح المنظر الكبير الذي يصغي إليه هتلر وينفذ توصياته بحرفيتها. وهتلر الذي استبطن فكرة الإبادة منذ شبابه وخطط لها سنوات طويلة قبل لقائه اليتيم بالحسيني وقع فجأة تحت سحر تأثير المفتي ونفذ ما أشار به عليه. إذا كان تأثير الحسيني على هتلر نافذا وكبيرا إلى الدرجة التي تروجها الدعاية الصهيونية. فمعنى ذلك أنه كان في مقدور الحسيني تغيير مسار التاريخ الأوروبي كله لو أنه مثلا أشار. أو لنقل أصدر الأوامر. على هتلر بعدم غزو غرب أوروبا وصولا إلى فرنسا. أو بالأحرى لماذا لم يأمر المفتي هتلر أو يقنعه بإعلان الحرب فورا ومنذ البداية على بريطانيا مباشرة عوض التورط في حروب مع بلدان أخرى استنزفته. سيما وبريطانيا هي التي تحتل بلاد المفتي وتسهل على الحركة الصهيونية مخططها في فلسطين؟
الحقيقة التاريخية هنا والمتعلقة بزيارة المفتي إلى ألمانيا لا تستحق سوى هامش سريع على متن الصراع العربي الصهيوني. هتلر الذي كان يضع العرب والمسلمين والأفارقة والغجر واليهود وكثير من غير العنصر الآري في نفس المرتبة الدنيا من الأجناس المنحطة لن يستمع لواحد من هؤلاء "المتخلفين" وينفذ "استشاراته". كان هتلر يريد توسيع دائرة العداوة ضد دول الحلفاء. وهو ما كان يريده أيضاً المفتي الحسيني الذي كان يبحث عن أنصار للقضية الفلسطينية ضد الغطرسة البريطانية. لكن من ناحية عملية لم يرتق لقاء المفتي بهتلر ولا مساعديه إلى مستوى لقاء المصالح بالمعنى الحقيقي. ذلك أنه لم يكن لدى المفتي ما يقدمه لدولة كبرى بحجم ألمانيا تلتهم أوروبا تباعاً وتنوي السيطرة على العالم بأسره. فرضية "تطبيق هتلر لاستشارات المفتي" سواء في مسألة الإبادة أو غيرها فيها قدر مضحك من السذاجة وافتراض الغباء بل والاستهبال أيضا. فحتى لو فرضنا أن المفتي أيد إبادة اليهود ودعا هتلر إليها فإن هذا لا يؤثر في الرواية التاريخية شيئاً. لأن آراء المفتي و"استشاراته" المفترضة ما كانت لتترك أدنى أثر عند هتلر لو لم يكن قد عزم النية منذ سنوات وأسس لمشروع الإبادة الوحشية تلك. لكن السؤال الأهم لماذا هذا التركيز الهائل على هذه التفصيلة الهامشية في صراع الصهيونية ضد الفلسطينيين والعرب. وكيف نفهم خلفياته وأين نموضعه؟
تقع مسألة التحالف المزعوم بين الحسيني وهتلر في سياق تخليق آليات التنميط السلبي عن العرب والفلسطينيين خلال مواجهتهم المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، لما يقدمه ذلك التنميط من توفير للاحتضان الدولي والغربي خصوصا لإسرائيل، والمتواصل حتى هذه اللحظة. يعود ذلك التنميط إلى حقبة ما قبل قيام إسرائيل وتأسس جزء كبير منه في العصر الحديث انطلاقاً من كتابات الرحالة الغربيين، بخاصة الأمريكيين، إلى الأراضي المقدسة ووصفهم أهلها والسكان فيها بكونهم، وفق الرحالة العنصري مارك توين، «قذرين بالطبيعة، أو بالفطرة، أو بالتعلم»! لم يستحق أولئك السكان في حقب لاحقة، تحت حكم الاستعمار البريطاني، أن يعاملوا بالطريقة نفسها و»المدنية» التي عومل بها اليهود «المتحضرون» المهاجرون المقبلون من أوروبا «المتحضرة». فمثلاً، لم تحتوِ مناهج التعليم البريطانية في المدارس الفلسطينية آنذاك والمُسيرة من جانب الإدارة البريطانية على مساق تعليم الموسيقى وهو المساق الذي تضمنه المنهج المُطبق نفسه في المستعمرات اليهودية. ليس هناك من تفسير لهذا سوى اعتقاد المسؤولين البريطانيين أن الفلسطينيين أدنى مستوى من اليهود، وأنهم غير جديرين بتعلم الموسيقى وهي التي ترتبط ذهنياً وتصورياً بالرقي والمدنية. ورث المشروع الصهيوني وخطاباته العنصرية والاحتقارية ضد عرب فلسطين التنميط الذي كان قد أسسه البريطانيون ورسخوه، وأضافوا إليه أبعاداً جديدة. فاليهود الهاربون من عنصرية أوروبا والمعبئين بمشاعر الاضطهاد الجمعي والضحية وجدوا في الفلسطينيين عدواً سهلاً، أقرب إلى الفريسة، لتفريغ نزعات الانتقام فيه، ولإثبات الذات والثورة على سمة الضعف والاستضعاف التاريخي التي لاحقت اليهود في التاريخ والعالم وفق السردية المركزية للخطاب الصهيوني. بعد جريمة «الهولوكوست»، ثم قيام إسرائيل أصبح الفلسطينيون هم المحطة الأولى والأقرب لتطبيق شعار «لن يحدث مرة ثانية»، في إشارة مباشرة إلى «الهولوكوست»، لكن في تضمين مرمز وعميق يحيل إلى التصميم المطلق والمطبق على الانتفاض على حقبة الاستضعاف. وضمن سياق هذا الشعور الانتفاضي والذي تهيأت له ظافرية نادرة بسبب قيام الدولة، فإن مقاومة الفلسطينيين مشروع اغتصاب أرضهم وتهجيرهم منها، تم اعتبارها وعلى الفور كأول اختبار لزمن جديد، زمن القطع مع حقب الاستضعاف. واحتل الفلسطينيون فجأة وعلى غير رغبة منهم موقع الطرف الذي يريد اليهود الذين تجمعوا وصارت لهم دولة أن يفرغوا ثأرهم التاريخي فيه، انتقاماً من الماضي، وإثباتاً لذات جديدة. ومن دون أن يكون لهم أي ذنب في تطور التاريخ المأسوي لليهود، وجد الفلسطينيون أنفسهم يدفعون فاتورة كل الاضطهادات التي تعرض لها اليهود في تواريخهم، خصوصاً في أوروبا. هكذا، أضيف تنميط تدميري جديد للفلسطينيين بكونهم خلاصة تجمع العداوات التاريخية لليهود بدليل أنهم لا يقبلون باليهود ولا بدولتهم ويطلقون مقاومة ضدهم. وهذا بالطبع يخرج الفلسطينيين من مربع النضال القومي والوطني ضد محتل أجنبي، إلى مربع آخر يسهل تسويغ إبادتهم فيه وهو مربع العداوة المتأصلة واللاسامية لليهود. وقد تمت مأسسة أخرى لهذا التنميط وربطه بالعدو الأكثر إرهاباً في التاريخ اليهودي الحديث وهو النازية، من خلال التركيز المضخم على الزيارة الساذجة للحاج أمين الحسيني إلى ألمانيا ولقاؤه بهتلر إبان الحرب العالمية الثانية، نكاية في بريطانيا وأملاً بدعم ألمانيا. فقد أصبحت تلك الزيارة تمثل العمود الفقري للتاريخ الفلسطيني والدليل الدامغ ليس فقط على «لا سامية» الفلسطينيين والعرب، بل على امتداد مشروع إبادة اليهود من ألمانيا إلى فلسطين وتكامل الإثنين. والمثير حقاً أن الدعاية الصهيونية لم تضخم فحسب تلك الزيارة إلى مستوى تكريس «علاقة إستراتيجية» بين الوطنية الفلسطينية والنازية، بل «اكتشفت» أن فكرة إبادة اليهود إنما هي أصلاً فلسطينية، وقد تمكن أمين الحسيني من إقناع هتلر بتنفيذها! والغرابة هنا تكمن في مدى وقاحة هذه الدعاية التي تضرب بعرض الحائط كل ما له علاقة بالتاريخ ورغبة هتلر وتشجيعه اليهود على الهجرة إلى فلسطين والتخلص منهم.
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1456
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
553
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1113
| 18 أكتوبر 2026