رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

453

د. جاسم الجزاع

«توحش الأقليات في سوريا: نظرة إدارية»

23 يوليو 2025 , 02:28ص

بعد متابعتي للتصعيد الأخير بين الدولة السورية وبعض فصائل الدروز في السويداء، وظهور مؤشرات واضحة للدعم للإسرائيلي لهذا الحراك ومهاجمة صريحة لدمشق من قبل القوات الإسرائيلية، وجدت من الضروري تقديم رأي إداري بعيدًا عن التحليل الأمني أو السياسي، فالمسألة، في جوهرها، تعكس خللًا عميقًا في إدارة التنوع داخل الدولة، حيث يتحول التهميش المزمن للأقليات إلى أرض خصبة للاختراق الخارجي، ويصبح الغضب الداخلي مادة خامًا تستثمرها قوى معادية للدولة السورية، وهنا لا تعود القضية محصورة في طائفة أو منطقة، بل تمسّ صميم العلاقة بين الدولة ومكوناتها، وتذكّرنا بأن غياب الاحتواء الإداري قد يفتح الأبواب لتهديدات أكبر من الداخل والخارج.

وفي علم الإدارة العامة، نلاحظ أن كل مؤسسة، كما هو حال كل دولة، تحتوي على أفراد يشعرون بأنهم على الهامش لا في المركز، وكأنهم يعيشون في الأطراف بدلًا من أن يكونوا في قلب الحدث، رغم أنهم قد لا يكونون ضعفاء أو بلا رأي، لكن حين يُتجاهل صوتهم مرارًا، فإنه لا يبقى متزنًا، بل قد يختفي تمامًا أو يتحول فجأة إلى صرخة غاضبة يصعب احتواؤها، وهذه الصرخة لا تكون دائمًا محسوبة أو عاقلة، و مفهوم الأقلية في العالم العربي، لا يقتصر على الطوائف أو المذاهب أو الأعراق كما يُعتقد، بل يشمل كل من يشعر بأنه غريب داخل النظام الإداري والاجتماعي، ومثال ذلك في البيئة الإدارية المرأة التي تُهمَّش في بيئات يسيطر عليها الذكور، أو الشاب الذي يصطدم بمؤسسات قديمة ترفض التغيير والتطوير الاداري، أو ابن القرية الذي لا يجد نفسه في مدن كبرى تتجاهل خصوصيته الثقافية، أو الموظف الكفء الذي يُقصى لحساب أصحاب الولاءات والمنافع، أو كل شخص مختلف يُطالَب بالتشابه والامتثال بدلًا من أن يُحتفى بكفاءته. 

والدولة كذلك، كما هي المؤسسات، حين تُوزَّع فيها الصلاحيات بغير عدالة وتُمنَح الفرص على قاعدة الولاء والمذهبية لا على الكفاءة، تتحول إلى بيئة طاردة لا حاضنة، وفي مثل هذا المناخ، يشعر المُختلِف أنه غريب في وطنه، ضيف ثقيل الظل في مؤسسةٍ كان يفترض أن تحتضنه، ويُفرض عليه عبء إثبات الولاء كل يوم، لمجرد أنه لا يشبه الصورة النمطية التي رسمتها السلطة أو العرف، وحين يطول هذا التهميش، تتبدّل النفس، ويبدأ التوحش في الاقليات.

والتوحش قد يكون شديداً صلباً فيشمل الصخب والحرب الدموية والتمرد على النظام والقتال المسلح، وقد يظهر ناعماً في انسحاب صامت من الأداء، أو أن يزرع نفسه في تكتلات غير رسمية تنمو داخل النظام، أو في شبكات موازية تُضعف الجسم الإداري من داخله، أو في احتقار للرموز والسخرية من الشعارات، أو حتى في البحث عن ارتباط خارجي بمن يُقدّم الدعم مقابل الولاء مثل ما فعل بعض المنتمين لطائفة الدروز من استدعاء للكيان الاسرائيلي لمساعدتهم، وهذا أخطرها على الإطلاق، فحين تتحول الأقلية إلى أداة في يد خصم خارجي، تصبح ثغرة في الجدار الوطني لا مجرد صوت محتج، ويُهدّد كيان الدولة لا مجرد استقرار المؤسسة.

لكن المسؤولية أيضاً لا تقع على الإدارة السورية في هذا المثال وحدها، بل تمتد إلى الأقلية في السويداء نفسها، التي إن وجدت نفسها مهمشة، فإن واجبها أن تطالب بحقوقها في إطار النظام لا خارجه، وأن ترفض التحول إلى ذراع للخصوم، مهما بلغت مرارة التهميش، فالتغيير لا يصنعه الانفجار، بل الإصلاح، ولا يثمره الاصطفاف الأعمى خلف أعداء الدولة، بل الوعي العميق بالدور والغاية والانتماء.

فطريق الإدارة الراشدة يبدأ حين يشعر كل فرد أنه في وطن لا في موضع مؤقت، وحينها يصبح المختلف قوة لا عبئًا، والولاء نابعًا من الانتماء لا من الإكراه، ومن هنا فإني أدعو الأقليات في سوريا، وفي مقدمتهم أهل السويداء، إلى إعطاء الدولة الفرصة لاحتوائهم بالحوار لا بالصدام، فالدم السوري أغلى من أن يُهدر، والمصلحة الوطنية لا تتحقق إلا حين تلتقي العقول الحكيمة بالإرادات الصادقة.

مساحة إعلانية