رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة الجابر

مساحة إعلانية

مقالات

1536

فاطمة الجابر

الأمن الغذائي السوداني.. بين الواقع والمأمول

23 سبتمبر 2024 , 02:00ص

لا يمكن التطرق إلى قضية الأمن الغذائي وظروف المجاعة الحالية التي يعيشها أبناء السودان بدون الإشارة إلى الحرب الأهلية التي تدور رحاها بين القوات المسلحة التي يقودها رئيس مجلس السيادة الانتقالي والفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وبين قوات الدعم السريع والتي يديرها الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) منذ شهر أبريل عام ٢٠٢٣. وهي الحرب التي ذاق منها ملايين السودانيين الويلات بين تشريد وتهجير وخلّفت الآلاف من القتلى والجرحى هنا وهناك. إن قراءة التاريخ الاقتصادي للسودان يقودنا إلى فهم جذور هذه الأزمة العميقة والمتجددة منذ سبعينيات القرن الماضي، تم إفقار الشعب السوداني بشكل ممنهج في هذه الفترة وما بعدها نتيجةً لفساد السياسات الحكومية. يواجه أكثر من نصف السكان البالغ عددهم ٢٦ مليون نسمة الظروف الأسوأ بينما تواجه نسبة ١٨٪؜ ما يعادل ٨.٥ مليون شخص حالة الطوارئ القصوى، حيث سجلت البلاد أسوأ مستوى من انعدام الأمن الغذائي. وتمتد المجاعة إلى عشر ولايات من بينها العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة، حيث أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في شهر أغسطس الماضي عن انتشار المجاعة في مخيم زمزم للنازحين والذي يسكن فيه ما يقارب نصف مليون شخص في ولاية شمال دارفور، حيث وصل مستوى انعدام الأمن الغذائي إلى المرحلة الخامسة وهي المرحلة الكارثية والأخطر من نوعها وفقاً لتصنيف الأمم المتحدة، هذا مع احتمال اعلان المجاعة في المرحلة المقبلة في بقية المناطق السودانية منها الخرطوم والجزيرة وكردفان وولايات إقليم دارفور. ورغم المساعدات التي يقدمها المتطوعون ومبادرات برنامج الأغذية العالمي، يبقى وقف النزاعات واستتباب الأمن العام الحل المبدئي والخطوة الحاسمة لحل الأزمة الغذائية. ومع وجود المساعدات التي تتلقاها السودان إلا أن هناك فجوة قائمة بين الانتاج والاستهلاك، إذ تسبّب النزاع الداخلي في حدوث شلل في القطاع الزراعي حيث انخفضت المساحة المزروعة بنسبة ٦٠٪؜ بالمقارنة مع سنوات ما قبل الحرب، مخلفةً فجوة زراعية إذ بلغت الفجوة في زراعة القمح على سبيل المثال ٤٠٠ ألف فدان بينما من المخطط سابقاً زراعة ٦٥٠ ألف فدان. تأتي مشكلة الظواهر والأوضاع المناخية مثل الجفاف والفيضانات والارتفاع الحاد في درجات الحرارة سببًا آخر في تفاقم الأزمة، فهذه الظواهر من التحديات التي تعوق استمرار الزراعة وتربية الحيوانات بشكل مستدام. أدى النزاع إلى انهيار الجنيه السوداني أمام الدولار حيث خسر أكثر من ٥٠٪؜ من قيمته منذ بداية الحرب وحتى الآن، يتم تداول الدولار بأكثر من ٢٥٠٠ جنيه سوداني وهذا يعني بالضرورة ارتفاعًا مستمرًا في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية والمحروقات والتراجع السلبي لاستيراد السلع من الخارج، بالإضافة إلى سرقة آلاف الآلات والمحاصيل الزراعية السنوية لمشروع ولاية الجزيرة وترحيلها إلى خارج البلاد، وكذلك صعوبة دخول البضائع وانعدام الأمن على الطرق. حيث دفع تدمير ٨٥٪؜ من المصانع وزارة التجارة والتموين إلى استيراد السلع الاستهلاكية مثل الشاي والسكر والحليب والدقيق. وبالعودة إلى تاريخ الاقتصاد السوداني قبل الحرب فنجد أنه كان يعاني من مشكلات رئيسية مثل ضعف الإنتاج والتلاعب في الأسعار والخسائر السنوية بسبب العقوبات الاقتصادية السابقة. تراجعت نسب النمو الاقتصادي بالسلب في نهاية عام ٢٠٢٢ ووصل الانخفاض إلى سالب ١٨.٣٪؜ لعام ٢٠٢٣ مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تريد على ١٥٠٪؜ في الوقت الحاضر. هذا بالإضافة إلى ارتفاع معدل البطالة إلى ٤٧.٢٪؜ في العام الحالي، إذ إن نصف القوى العاملة فقدت وظائفها في مختلف القطاعات نتيجة اغلاق المصانع والشركات التي تعرضت إلى التدمير والنهب من قبل الجماعات العسكرية. وبالنسبة للحلول المالية ومواجهة تدهور سعر العملة، لا يمكننا تجاهل قضية مصير صادرات الذهب وايراداته الفعلية والتي يفترض دخولها في خزينة الدولة، فلن يتحسن سعر الجنيه قبل أن تصبح الصادرات أعلى من الواردات وإيجاد الفائض على الميزان التجاري والذي من خلاله تتم إعادة تأهيل قطاعات الإنتاج الأخرى، إن إعادة بناء البنى التحتية لمواجهة المناخ مثل الطرق المقاومة للفيضانات مطلب مهم لتمكين السكان من الانتقال في أوقات الفيضانات والجفاف إلى المناطق الأكثر أمناً غذائياً، يساعد توفير هذه الطرق في نقل فائض الإنتاج إلى الأسواق والمساعدة في زيادة توفير السلع الغذائية لدى الأسر. من المهم أيضاً توفير المحاصيل الزراعية الذكية مناخياً والتي تخفف من مخاطر الفيضانات وموجات الجفاف المهددة للأمن الغذائي، وتوفير المعدات الخاصة بصيد وتربية الأحياء المائية المستدامة، والتركيز على الاستفادة من مشاريع البنية التحتية المائية وتسخير الموارد المائية لتعزيز الزراعة وتوفير المياه النظيفة خاصةً في جنوب السودان، ووضع آليات للرقابة على الأسعار والدعم والتسهيل الحكومي لاستيراد السلع الضرورية. وفي ضوء ما تم ذكره، تبقى موضوعات الدعوة إلى تنفيذ اتفاقية حل النزاع وتعزيز وبناء السلام المحلي وتمكين الشباب وتوفير الفرص الاقتصادية أولى القضايا التي يجب وضعها على طاولة حوار الشأن السوداني.

مساحة إعلانية