رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تدور في مصر حوارات حول كيف يمكن الحيلولة دون مواجهة دامية بين أطياف الوطن الواحد؟
طرح السؤال في حد ذاته يحمل دلالة انسداد مسارات التفاهم والرؤى والحوار للاتفاق على طبيعة المرحلة الانتقالية ومهامها، خاصة أنها مرحلة طالت وجرى فيها من الوقائع والدماء ما يؤكد أن السمة الأساسية في مصر بعد الثورة هي الصدام وليس الوفاق، وأنه جرى الانقلاب الفعلي على الثورة، وانقسم المجتمع إلى من يريد استكمال التغيير بتحقيق حاجاته المباشرة، ومن يحاول تثبيت أركان السلطة التي تولت أعقاب تخلي مبارك عن السلطة، واستقر الأمر تجاوزا في توصيف الصراع أنه بين قوى مضادة للثورة، وكان تحديدها ممكنا حصرا، وتحددت في المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين وبقايا النظام السابق بكل مراكز الدولة وعناصر الرأسمالية التي ارتبطت مصالحها ونشأتها بتزاوج السلطة والثروة، وبين قوى الثورة وكان تحديدها مشوبا بالضبابية، فهم شباب الثورة تارة، وهم أصحاب المصلحة تارة أخرى، ولكن يمكن القول إنهم من رفضوا هزيمة إرادة الشعب التي تجلت خلال الأيام الأولى للثورة، وقبلوا بالتضحية والاحتشاد وتحملوا كل حملات التشويه والقتل والغواية، كانوا يدفعون الثمن، لتعود النتائج إلى عناصر معسكر الانقلاب على الثورة.
عندما وجد الشعب أن وطنه من دون إدارة قادرة للبلاد، وأن ثورته بلا قيادة أو تنظيم، تحمل بمبادرة منه مسؤولية الأمن المباشر للمنازل والأهالي، وكان هذا أقصى ما يمكن فعله بخبرته، ولكن هذا الفعل فتح باب الثقة في الإجابة على سؤال كان يتردد كلما كانت تلوح في الأفق احتمالات مواجهة مع العدو الصهيوني: ماذا سيفعل الشعب؟، وبتلقائية حول الشباب والرجال الشوارع والميادين إلى مربعات دفاعية، وكان كل قطاع يسلم المارين من سيارات أو أفراد للقطاع التالي له. مشهد اللجان الشعبية ومشهد حركة العشرين مليون مصري في الشوارع دون أي جريمة تذكر أو انفراط لعقد الوطن، كان رسالة إلى إسرائيل وإلى أمريكا، وكان نقطة انقلاب في طبيعة أي صراع قادم يتهدد مصر الوطن.
تقدير الموقف وفرز القوى صدق مع النفس ولا يقع تحت إرهاب أنه "شيطنة" للآخر، فالثورة حاسمة، فهي علم تغيير المجتمع، ومعيار الفرز لديها من يحقق أهدافها الشعبية ومن ينقلب عليها أو يختطف الإجراءات لصالح أهدافه الخاصة.
والصدق مع النفس أيضا يدعو إلى التسليم بأن السيناريوهات الأمريكية استطاعت أن توفق أوضاعها بعد استيعاب المفاجأة التي مثلها تحرك الشعب المصري، فإذا كانت طبائع الشعب المصري لم تتوقع منها أمريكا هذا التحرك، ولكن القدرة على إعادة تشكيل الموقف الأمريكي نجحت في التقاط طرف خيط السيناريو المواجه لثورة الشعب المصري، تغنت بما حدث وأنه درس للشعوب، وسارعت إلى وضع اللبنة الأولى لمخططها، وهو إعلان ضرورة الإسراع بتسليم "العسكر" للسلطة إلى حكومة مدنية. لم تكن أمريكا تقامر بإعلانها هذا، ولا كانت تبحث عن فضيلة الديمقراطية، ولكنها كانت تتحرك بناء على تحليل للقوى داخل المجتمع وإمكاناتها وقدراتها.
حدد السيناريو الأمريكي الهدف الرئيس بالحيلولة دون تكرار ما حدث ثانية، وأن ما حدث لا يحقق نتائج تمكن الإرادة الشعبية المصرية من سلطة القرار، وكان الهدف المباشر للسيناريو هو منع امتلاك الحركة الشعبية للقوة المنظمة الوحيدة في الدولة وهي القوات المسلحة، ولأن ذلك سيدعم وجود الجيش المصري وقدرته على التطور بالزخم الشعبي الناتج من الثورة، وهو أمر مناقض لهدف أمريكي إسرائيلي يستهدف تغيير العقيدة القتالية للجيش وتحويله إلى مقاومة للإرهاب وليس جيشا لحماية الوطن والدفاع عن مصالحه في الإقليم ومناطق المصالح المباشرة لمصر.
لم يستوعب المجلس الأعلى للقوات المسلحة المعني السياسي لثورة الشعب المصري، وقاد عملية الانقلاب عليها واختطافها، سواء بإرادته أو تسليما لدور وضعته الرؤية الأمريكية، وهو يستدعي سؤالا لم يطرح من قبل بشقيه:
أولا: لماذا جرى اختزال الثورة في تعديلات دستورية لتداول السلطة دون إدراك لدلالات أهداف الثورة في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"؟
ثانيا: لماذا اختير المستشار طارق البشري رئيسا للجنة التعديلات وليضم إليها عناصر الإخوان دون القوى الأخرى؟
قد يرد البعض بأن هذا هو الاتفاق بين عمر سليمان رئيس المخابرات الأسبق وبين الإخوان، ولكن ألم يكن هذا الاتفاق ضمن سياق بقاء النظام وتفريغ الميدان من المعتصمين وليس ضمن سياق إسقاط رأس النظام وكذلك عمر سليمان؟
ثم لماذا رشح عمر سليمان نفسه لمنصب رئيس الجمهورية، ولتتضمن أوراق ترشيحه خطأ لا يفعله إنسان عاقل بأن تنقص أوراقه 31 ورقة عن شرط العدد؟
ولماذا جرت محاولة اغتيال عمر سليمان، ولم يفتح فيها تحقيق حتى الآن؟
ومازال السؤال المتردد في مصر، هل كانت وفاة عمر سليمان طبيعية أم أنه قتل؟
وإذا كان عمر سليمان قد غاب بالوفاة، فهل عملية إخراج حبيب العادلي من وزارة الداخلية بعد وقائع يوم 28 يناير 2011 هي عملية اعتقال قتل فيها عدد من أفراد القوة القائمة بالاعتقال وهم من المخابرات، أم أنها كانت عملية إنقاذ له من حصار المتظاهرين لمبنى الداخلية؟ ولماذا لم يتم التحقيق في هذا الأمر؟
نعبر كافة الوقائع التفصيلية لنصل إلى واقعة الهجوم على معبر رفح والذي راح ضحيته 16 ضابطا وجنديا مصريا في رمضان الماضي والتي أعقبها إقالة المشير طنطاوي والفريق عنان وبالتالي تفكيك المجلس العسكري.
شهدت سيناء قبل هذا الهجوم هجمات من جماعات إسلامية مسلحة وكانت دعوتها تحويل سيناء إلى إمارة إسلامية، والسؤال من دفع بهذه الجماعات ووفر لها التمويل والسلاح، ووفر لها نقاط ارتكاز للقفز إلى سيناء؟ وما دور الدول المحيطة وإسرائيل في هذا الاختراق؟
كانت هذه العمليات تلزم القاهرة، وكافة العناصر والتيارات فيها، أن تكون قراءتها للوقائع والعناصر والجغرافيا واحتمالات الخطر قراءة واحدة، ولكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، ولم نعرف بعد أوجه الاختلاف وماذا كانت المواقف في حينها؟
كان الموقف في القاهرة صراع على السلطة، وكان الموقف في سيناء صراع سلاح ودم. كانت المظاهرات في القاهرة تنادي بسقوط حكم العسكر، وكان الجيش مطالبا بمواجهة الجماعات المسلحة في سيناء. وكان تنظيم الإخوان صامتا على كافة المواجهات بين الجيش والمتظاهرين في القاهرة، وينتظر تنفيذ أجندة البشري الأمريكية لتسليم السلطة.
حسم الفقر والتكفير الديني كافة جولات التصويت، وبديلا عن حماية الوطن من انطلاق آلة العنف المسلح، جرى تصفية الصراع على السلطة في القاهرة، وضرب المجلس العسكري، وضرب معه الإعلان التكميلي، وأيضا التعهد الذي أعلنه طنطاوي باسم الجيش أنهم لن يسمحوا بتمكين جماعة أو تيار واحد من أمر الوطن، رغم أنهم لم يفسروا كيف سيحولون دون ذلك؟
تم الانقلاب على الثورة بعزل الجيش عن الشعب، ثم إخراجه من معادلة القوى في المجتمع.
الأوضاع في مصر انتقالية ولا تؤسس لسلطة دولة، قد تتسلل جماعة إلى مراكز القوة والسيطرة ولكنها أمور مؤقتة وغير مستقرة ولا جذور لها، والحديث يتزايد عن همهمة داخل المؤسسة العسكرية وداخل جهاز الشرطة تحمل رفضا لما يجري.
المجالس النيابية والرئيس المنتخب هي ترتيبات في إطار المرحلة الانتقالية ومهمتها الوحيدة وضع الدستور وليس إعادة تشكيل الدولة، ومحاولات إضفاء الشرعية عليها هي استدعاء للصدام داخل المجتمع، تجلى في جمعة 12/10 وأكدت جمعة 19/10 أن الموقف السلبي للجيش والشرطة من أي صدام قادم حال دون تكرار وقائع العنف وأدى لغياب جماعة الإخوان عن الميدان.
جذوة النار مازالت تحت الرماد، والاختطاف والتفريط والخندقة يعجلان من إشعالها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3099
| 24 سبتمبر 2026