رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إرهاب القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 لم يدمر الولايات المتحدة، ومثله إرهابها في مدريد ولندن في السنوات التي تلت، وكذا إرهاب داعش الأخير لن يدمر فرنسا، كما لم يدمر إسقاط طائرة سيناء المنكوبة روسيا نفسها. تأذت تلك الدول كلها بلا شك، وأسقط الإرهاب ضحايا أبرياء من دون وجه حق، واستحق كل النعوت التي انتزعها عن جدارة، بكونه إجراميا ووحشيا ورخيصا. كل الإرهاب الذي توجه إلى بلدان غربية بمسوغات الانتقام أو الرد بالمثل أو ما شاء له من مسوغات، لم يصل لدرجة إحداث خدش في بنية القوة العسكرية والإجمالية للغرب، لكنه "تألق" في تدمير الشرق. "عبقرية" ذلك الإرهاب الخالي من العقل كان توفير المسوغ لقوى سياسية ومشاريع أمريكية متطرفة لإطلاق وحوش الحروب في المنطقة والعالم، فكانت أفغانستان ثم العراق، التي تناسلت من حربها كل الكوارث التي نعيشها الآن. الإرهاب الإسلاموي الغبي الذي انطلق (نحو أرض العدو البعيد) في نيويورك وعواصم العالم الغربي بدا كمراهق أرعن امتلك مسدساً فجأة، وصار يطلق النار في كل الاتجاهات، ومعها أطلق وحوش الحروب علينا. سقطت العراق بسبب إرهاب نيويورك ثم دخلت في سبتمبر التفكك الذي نشهد، ومعه انفتحت أمدية الفراغات السياسية والجغرافية والعسكرية مُستدعية القاعديين والزرقاويين ومتعصبي السنة، ليتحالفوا مع نظرائهم من متعصبي الشيعة، وليتنافس الطرفان في دفع العراق إلى وحل الطائفية الدموية التي لا يعرف أحد متى يبرأ من نزيفها. الإرهاب القاعدي ثم الداعشي دمر سورية أيضاً وأنهى ثورتها السلمية التي كان العالم كله يؤيدها ويصطف مع مطالبها في الحرية والكرامة. وهو ذاته كان قد تمدد إلى اليمن ليتنافس مع متطرفي الحركة الحوثية في تدمير البلد، وإعاقة خروجها من مسار الاستبداد السياسي إلى مسار الانتقال السلمي الربيعي،على رافعة ثورة شبابه المبهرة. وكذا انتشرت رقعة السرطان وتسلل إرهابها إلى ثورة ليبيا على القذافي فأحبطها من الداخل فأخاف الليبيين ومن يجاورهم من مآلات جغرافية ترتع فيها جماعات داعش، لتذبح المارين على شاطئ المتوسط تبعا لدينهم، وتبعاً لولائهم لها أو غيابه. في مستوى تدمير أقل وخلال العشرية التي نعيشها وما سبقها، ما من بلد عربي (وكثير من بلاد المسلمين) إلا واكتوى بنار الإرهاب الوحشي شمالا ويمينا. وقبل تلك العشرية أو أكثر كاد ذات الإرهاب أن يدمر الجزائر بعد أن أدخلها في مقتلة حرب أهلية استنزفت عقدا من السنين، ومعه مئات الألوف من الأبرياء، وثروات البلد، ومستقبلاته. بيد أن الشبح الأخطر من كل ذلك، الآن وراهنا، يقبع في حيرتنا إزاء التساؤل عن النقطة الزمنية التي نعيشها على وجه الدقة في منحنى توغل وتمدد الإرهاب الداعشي الدموي: أنحن في البدايات، أم المنتصف، أم النهايات...؟ حيرة ترهن مستقبلات بلدان عربية ومجتمعاتها للمجهول. يكفي أن نتأمل الرعب الكامن في هذا المجهول عندما نذكر أنفسنا أن داعش يتحكم في حياة سبعة ملايين من الناس في الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها في سورية والعراق، والتأمل في ما يمكن أن يفعله التنظيم من غسل لدماغ عشرات الألوف من الصبية والمراهقين والشبان. كلما امتد حكم داعش على هؤلاء أتيحت له فسحة زمنية أطول كي يضاعف تجنيده لهؤلاء ويقلبهم إلى "ذباحين" في أيديولوجيا العنف والدم التي لا تفهم إلا القتل. لو استمر حكم داعش إلى خمس سنوات قادمة فإن معنى ذلك أن جيلاً شاباً نشأ في مناخ الدعشنة المُتخم، ولو فرضنا أن عشر معشار ذلك الجيل انخرط في القتل الداعشي فمعنى ذلك أن جيشا من الدواعش قد تولي داخليا، تُناط به مهمة تدمير ما لم يتم تدميره من بلدان عربية وإسلامية. خلاصات ذلك كله يمكن تأملها على أكثر من وجه. الأول، هو أن الخسارات الفادحة والدمار الحقيقي جراء الإرهاب الذي صار يتخذ المنطقة العربية مقراً له، تواجهه دول ومجتمعات وبلدان المنطقة. دولنا ومجتمعاتنا هي التي تتفكك وتنهار وتتحطم، وليس المجتمعات الغربية. وما يجب أن يرتبط بذلك مباشرة هو الكف عن إحالة مسؤولية محاربة الإرهاب والقضاء عليه على الغرب، وكأن هذه المشكلة مشكلة غربية وفقط. الطرف الأساسي والمركزي والرئيسي الذي يدمره الإرهاب الداعشي وما سبقه هو الدول العربية، وهي التي صارت مهددة في وحدتها ومستقبلها، وبالتالي هي التي يجب أن تنتفض لمواجهة هذه الكارثة وتضعها على رأس أجنداتها. مسؤولية مواجهة إرهاب داعش هو مسؤولية عربية بالدرجة الأولى، ثم دولية وغربية بالدرجة الثانية. الوجه الثاني متعلق بالجدل والنقاش الذي لا ينتهي حول جذور الظاهرة الإرهابية ومسبباتها والبيئات التي أنتجتها، وهو جدل مهم وضروري لأن له علاقة مباشرة جداً بطرق مواجهتها. هذا الجدل قد ينتقل من مسار البحث الموضوعي المفيد الذي يقود إلى فرض تعديل السياسات وتخليق بيئات غير مواتية لنشوء الإرهاب، إلى مسار المناكفة السجالية التي تستهدف تسجيل النقاط وإدانة هذا الطرف أو ذاك أكثر من أي شيء. بإيجاز مُبتسر وربما مخل في النقاش يمكن النظر إلى الإرهاب الحالي على أنه نتاج ثلاث مجموعات من العوامل: الأولى خارجية ومتعلقة بالسياسات الغربية التدخلية والعسكرية منذ فرض إنشاء إسرائيل في المنطقة، مرورا بكل سياسات الحرب الباردة وتوظيف الأطراف الإسلاموية لخدمة هذا الطرف أو ذاك، وصولا إلى "الجهاد ضد السوفييات" في أفغانستان الأولى، ثم أفغانستان الثانية وبعدها والعراق وما تلا ذلك من كوارث. الغرب مسؤول هنا مسؤولية مطلقة عن الخراب العالمي الذي تسبب فيه، وعليه يقع جزء كبير من المسؤولية في مواجهة ما نحن فيه. المجموعة الثانية من العوامل، داخلية ومتعلقة بفشل دولة ما بعد الاستقلال العربية في بناء مجتمعات واقتصادات قوية تحقق الحدود الدنيا من مطالب الشرائح الأعرض للشعب، وتوفر له الحد الأدنى من الكرامة. والمجموعة الثالثة من العوامل متعلقة بالتعليم والثقافة الإعلامية والاجتماعية التي اتجهت نحو المحافظة في نصف القرن الماضي، بحيث إن الأنظمة التعليمية للدول نفسها أنتجت خصومها وأعداءها بسبب تسلل الخطاب الداعشي الناعم فيها وفي المجال العام بشكل إجمالي.
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1450
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
547
| 28 سبتمبر 2015
المسلمون والقدس.. الزيارة والاستثمار والدفاع
ربما لم يتبق ما يُقال عن أحداث الأقصى الأخيرة وتواصل الجرائم الإسرائيلية التي تحميها وترعاها حكومة يمينية متطرفة،... اقرأ المزيد
732
| 21 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026