رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* القوة الملزمة تتعلق بمبادئ أو قواعد قانونية
* يجوز اتخاذ تدابير جماعية لصون السلام والأمن
* الإعلان الأمريكي الانفرادي مخالف للقانون الدولي
مجلس الأمن هو جهاز الأمم المتحدة التنفيذي المعني أساسا بتعزيز وتنفيذ متطلبات الأمن الجماعي الدولي. وبغية تحقيق ذلك يختص المجلس بالنظر في أي نزاع أو موقف يهدد السلام، وهو ما يمثل إجراء تمهيديا لمباشرة المجلس لاختصاصه العام في حفظ السلم والأمن الدوليين. ويقصد به قيام المجلس ببحث النزاع أو الموقف الدولي، لتحديد ما إذا كان من شأنه تهديد السلم والأمن الدوليين أم لا، ثم يتخذ ما يراه من تصرف مناسب. ويتم ذلك عن طريق التحقيق في ملابسات النزاع أو الموقف والظروف المحيطة به وتحليل عناصره. وفي ضوء ذلك، يقرر المجلس إما الدعوة إلى تسوية سلمية للنزاع الدولي، أو اتخاذ التدابير المناسبة لحفظ السلم والأمن الدوليين وإعادتهما إلى نصابهما. ويتخذ المجلس قراراته في هذا الخصوص بأغلبية تسعة من أعضائه الخمسة عشر، شريطة أن يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بما يعني أن لكل دولة من الدول الدائمة أن تعترض على مشروع القرار للحيلولة دون صدوره، بغض النظر عن عدد من وافق عليه من الأعضاء الآخرين.
حفظ السلم
أما الجمعية العامة، فهي جهاز الأمم المتحدة العام الذي يضم ممثلي كل الدول الأعضاء (193). ويتركز اختصاص الجمعية العامة في كل ما يدخل في اختصاص الأمم المتحدة ومهامها لتحقيق مقاصدها ومنها، بصفة خاصة، حفظ السلم والأمن الدولي، حيث تنظر في المبادئ العامة في حفظ السلم والأمن الدولي، وذلك بمناقشة وبحث الأصول العامة لتحقيق التعاون الدولي في مجالات حفظ السلم والأمن الدوليين، ومناقشة المسائل المتصلة بحفظ السلم والأمن الدوليين، ولكن يقيد من هذا أنه لا يجوز للجمعية أن تقدم أية توصية في شأن مسألة مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن، إلا إذا طلب المجلس منها ذلك.
وفي محاولة للتخلص من الآثار المترتبة على عدم استطاعة مجلس الأمن ممارسة سلطة القرار في المسائل المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين، إعمالا لنظام الأمن الجماعي، الناتجة عن التعسف في استعمال حق الاعتراض من جانب أي من الدول دائمة العضوية، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا في الثالث من نوفمبر عام 1950 (القرار 377 د/5) عرف " بقرار الاتحاد من أجل السلم" يتضمن أحكاما تهدف إلى تدعيم سلطات الجمعية العامة في ميدان المحافظة على السلم والأمن الدوليين.
قرار الاتحاد
تضمن قرار الاتحاد من أجل السلم في مقدمته التأكيد على أهمية قيام مجلس الأمن بمسئوليته في حفظ السلم والأمن الدوليين، وقرر أن على الأعضاء الدائمين أن يسعوا إلى إجماع فيما بينهم، وأن يخففوا من استعمال حق الاعتراض، بقدر كبير. وأشار القرار إلى أنه إذا لم يتمكن مجلس الأمن من القيام بالتبعات الملقاة على عاتقه على أثر استخدام حق الاعتراض، من جانب إحدى الدول الدائمة، فإن هذا لا يعني تحلل الأعضاء من التزامهم ولا تحلل المنظمة من مسؤوليتها في ميدان المحافظة على السلم والأمن الدولي، وأكد أن الجمعية لها حقوق وعليها مسؤوليات في هذا المجال. ولأجل هذا نظّم القرار إمكانية دعوة الجمعية العامة لدورة طوارئ مستعجلة، تنعقد في خلال أربعة وعشرين ساعة، عند ثبوت فشل مجلس الأمن في القيام بتبعاته الرئيسية في حفظ السلام والأمن الدولي.
وبناء عليه، يجوز للجمعية العامة، عملا بقرار “الاتحاد من أجل السلم"، إذا لم يتمكن مجلس الأمن من التصرف بسبب تصويت سلبي من جانب عضو دائم بالمجلس، أن يتخذ إجراءات في أمر يهدد السلم أو عمل عدواني، يجوز للجمعية أن تنظر في المسألة على الفور من أجل إصدار توصيات إلى الأعضاء باتخاذ تدابير جماعية لصون أو إعادة السلام والأمن الدوليين. وتصدر قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرة المشاركة في التصويت، أي لا يحسب في عداد نسبة التصويت الأعضاء الممتنعون والأعضاء المتغيبون.
القوة الملزمة
وسلطة القرار المخولة للجمعية العامة هنا هي مجرد توصيات. ومن المعروف أن التوصية غير ملزمة، شكلا، للأعضاء، إلا إذا كان مضمونها يتعلق بمبادئ أو قواعد قانونية تستند إلى مصدر من مصادر القاعدة القانونية الدولية مباشرة مثل العرف والمعاهدات الدولية، إذ تستند القوة الملزمة هنا على هذا المصدر؛ وذلك على خلاف سلطة القرار التي يباشرها مجلس الأمن وفقا للميثاق، إذ تمتد إلى سلطة اتخاذ قرارات ملزمة يتعين على الأعضاء احترامها وتنفيذها حين تتخذ القرارات وفقا للفصل السابع الخاص بتدابير المنع والقمع ضد الدولة المعتدية أو المهددة للسلم والأمن الدوليين.
فشل المجلس
وأمام فشل مجلس الأمن من اعتماد مشروع القرار الخاص بالإعلان الانفرادي الأمريكي بشأن القدس بسبب استخدام الولايات المتحدة للفيتو، رغم موافقة بقية أعضاء مجلس الأمن الأربعة عشر جميعا، فقد أحيل الموضوع إلى الجمعية العامة لعقد اجتماع طارئ خلال 24 ساعة على أساس قرار الاتحاد من أجل السلام السابق الإشارة إليه، حيث عقد الاجتماع في 21 ديسمبر وانتهي إلى إصدار قرار بموافقة أغلبية 128 عضوا واعتراض 9 أعضاء، (وامتناع 35 عضوا عن التصويت وتغيب عن الحضور21 عضوا)، يقضي أساسا بعدم قانونية إعلان الولايات المتحدة الأمريكية بشأن القدس، وعدم إنتاجه أي أثر قانوني لمخالفته أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة الصادرة عن مجلس الأمن وعن الجمعية العامة بشأن القدس والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
لا سلطة للاحتلال
القرار الصادر عن الجمعية العامة هو توصية من حيث الشكل لكن قيمته القانونية تستند موضوعيا من حيث إن مضمونه يأتي تأكيدا لمبادئ قانونية دولية في مقدمتها أن الاحتلال لا ينقل السيادة على الإقليم المحتل إلى سلطة الاحتلال، وتأكيد لما صدر عن الأمم المتحدة من قرارات متتالية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وعدم الاعتراف بأية تدابير إسرائيلية لتغيير هوية الأرض المحتلة بما فيها القدس واعتبارها عديمة الأثر قانونا. ومن جهة أخرى يستند في قوته القانونية إلى الموقف الدولي الذي يعكس الاتجاه العالمي الغالب ببطلان الإعلان الأمريكي الانفرادي وعدم ترتيبه لأية آثار قانونية.
ومن جهة أخرى، لا تقل القوة القانونية لقرار الجمعية العامة هذا عما كان سيترتب على صدور القرار من مجلس الامن في حال عدم استخدام الولايات المتحدة للفيتو، إذ إن قرار المجلس هنا لن يصدر وفقا للفصل السابع المتعلق بالقرارات الملزمة فيما يتخذ من تدابير المنع والقمع لردع العدوان وما يهدد السلم والأمن الدوليين، وإنما كان سيصدر وفقا للفصل السادس الذي تنحصر فيه قرارات المجلس في مجرد توصية من حيث الشكل، وعليه كانت قوته ستنحصر مثل قرار الجمعية العامة في التأكيد على بطلان إعلان الولايات المتحدة الانفرادي بشأن القدس لمخالفته القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026