رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

120

عادل الحامدي

العودة إلى الصدى.. حكاية المنفيّ العربي بعد انكسار الربيع

19 أكتوبر 2026 , 12:00ص

ثمة مشاعر لا تحتاج إلى أن تروي حكاية كاملة كي توقظ فينا حكايات العمر كلّه. يكفي أن تنادي الدار باسمها، حتى تنهض من أعماق الذاكرة قرى متفرقة وطرقات قديمة، ووجوه غابت، وأصوات ظننا أننا نسيناها، وأبواب أُغلقت خلف أصحابها ولم تُفتح لهم إلا في الأحلام.

من بين هذه المشاعر نداء "يا دارنا" وهو أشبه بسؤال موجع: أيُّ دار تلك التي نناديها؟ وهل تظل الديار ديارنا حين نُجبر على مغادرتها لأننا قلنا رأياً، أو كتبنا كلمة، أو رفضنا أن نتعلم الصمت بوصفه شرطاً للنجاة؟

ليس المنفى دائماً مسافة تقاس بالكيلومترات، ولا الغربة مجرد انتقال من بلد إلى آخر. قد تبدأ الغربة في اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الكلام صار خطراً، وأن رأيه الذي يفترض أن يكون حقاً طبيعياً بات عبئاً على صاحبه، وأن الوطن الذي وُلد فيه وتشكّلت لغته وذاكرته لم يعد يتسع له إلا إذا تنازل عن شيء من كرامته، أو أخفى جانباً من ضميره، أو تصالح مع الصمت. عندئذ لا يعود الرحيل اختياراً كاملاً، بل يصبح نوعاً من النجاة، وإن كان ثمن النجاة أن يحمل المرء وطنه في داخله ويتركه خلفه على الخريطة.

في بلداننا العربية، لم تكن المنافي في أحيان كثيرة محض محطات للبحث عن عمل أو علم أو حياة أفضل. كانت امتداداً طبيعياً لسجون الرأي، ووجهاً آخر للعقاب السياسي، وطريقة أقل صخباً لإبعاد الأصوات التي لا ترغب السلطات في سماعها. فمن لم يُسجن بسبب كلمة، قد يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة البلاد تفادياً للسجن؛ ومن لم يُمنع من الكلام بقرار مكتوب، يتعلم من التجربة أن بعض الكلمات قد تكلفه وظيفته أو حريته أو أمن أسرته. وهكذا يصبح المنفى عقوبة لا تحتاج دائماً إلى حكم قضائي، ويغدو الصمت الحد الفاصل بين البقاء والرحيل.

وما أشد قسوة أن يظل الإنسان وفياً لبلاده وهو بعيد عنها، يتابع أخبارها كمن يتابع أحوال شخص عزيز لا يستطيع الوصول إليه. يفرح لكل نافذة أمل تُفتح، ويحزن لكل انتكاسة جديدة، ويحتفظ في ذاكرته بصورة وطن لا يكف عن مقارنتها بما يحدث أمام عينيه. تمر السنوات، ويتغير كل شيء من حوله: تتبدل المدن التي استقبلته، وتكبر أسرته، وتتراجع صحته، ويغادر أصدقاءه واحداً بعد آخر. لكنه يظل يؤجل عودته إلى اليوم الذي يستطيع فيه أن يرجع من دون خوف، وأن يقول ما يعتقد من دون أن ينظر وراء كتفه، وأن يعيش في وطنه مواطناً لا متهماً ينتظر استدعاءه.

ثم جاء الربيع الذي طال انتظاره.

حين اندلعت ثورات الربيع العربي، بدا لكثيرين أن التاريخ يفتح باباً طال إغلاقه. خرجت شعوب تطالب بالحرية والكرامة، وارتفعت أصوات كانت قد أُجبرت طويلاً على الهمس، واعتقد كثيرون أن زمناً جديداً قد بدأ، وأن السجون التي استوعبت أصحاب الرأي ستفقد وظيفتها، وأن المطارات التي حملت المنفيين إلى جهات الأرض المختلفة ستشهد عودتهم. لم يكن الحلم ترفاً سياسياً، بل استعادة لفكرة الوطن نفسها: أن يكون المكان الذي يحمي اختلافنا، لا الذي يعاقبنا عليه.

لكن المسافة بين سقوط الخوف وسقوط منظومته ليست قصيرة، وبين فتح نافذة سياسية وتأسيس حياة ديمقراطية مستقرة مسافة قد تتسع لعقود. تعثرت تجارب، ودخلت بلدان في حروب وصراعات، واستعادت أنظمة قديمة أو قوى جديدة أدوات التضييق، فيما أُعيد تعريف الأمن والاستقرار أحياناً بطريقة تجعل حرية المواطن أول ما يُضحّى به، وآخر ما يُسمح له بالمطالبة به.

وهكذا، لم تنتهِ المأساة كما تمنّى أصحاب الحلم. ففي بعض البلدان ضاقت مساحات التعبير مجدداً، وفي أخرى تراجعت فرص المشاركة السياسية، وعادت ملاحقة الأصوات المعارضة أو المستقلة إلى واجهة المشهد. ولم يعد السؤال مقتصراً على إمكان إسقاط الاستبداد، بل صار يتعلق بقدرة المجتمعات على حماية الحرية بعد انتزاعها، وعلى منع تحول الاستثناء إلى قاعدة، والخوف إلى نظام حياة.

ولعل ما يجعل هذه العودة أشد إيلاماً من المأساة الأولى هو الإحباط الذي يرافقها. فالإنسان الذي عاش زمناً تحت القمع قد يتشبث بالأمل في أن الغد سيكون مختلفاً، أما الذي رأى باب التغيير مفتوحاً ثم شاهده يُغلق أمام عينيه، فإنه يواجه خسارتين: خسارة الحرية التي لم تكتمل، وخسارة اليقين بأن التضحية تقود بالضرورة إلى مستقبل أفضل. لقد عرفنا، بعد سنوات من الثورات والانكسارات، أن إسقاط جدار لا يعني بالضرورة بناء بيت، وأن انهيار الخوف في لحظة تاريخية لا يمنع عودته بأسماء جديدة وأدوات أكثر تعقيداً.

ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول الإحباط إلى حكم نهائي على إمكان الحرية. فالتجارب التي أخفقت في بناء الديمقراطية لا تجعل الاستبداد قدراً، كما أن انتكاسات الثورات لا تلغي حقيقة أن شعوباً عربية كسرت، ولو مرة، حاجز الصمت، وأعلنت أن كرامتها ليست منحة من حاكم، وأن حقها في المشاركة ليس جريمة. لكن هذا الحق يحتاج إلى مؤسسات تحميه، وقضاء مستقل يصونه، وثقافة سياسية تقبل الاختلاف، ومجتمع يدرك أن حرية خصمه ليست خطراً على حريته، بل شرط من شروط بقائها.

أما المنفيّ الذي شاخ في البلاد البعيدة، فقد لا يملك ترف الانتظار إلى أن تكتمل هذه الشروط. ينهكه الحنين، ويثقل قلبه غياب الذين أحبهم، ويبدأ في استعادة تفاصيل صغيرة لم يكن يظن أنها ستصبح يوماً أثمن ما يملك: رائحة الطريق إلى البيت، أصوات الجيران، مقعد قديم في مقهى، ظل شجرة بجانب البيت الريفي، وملامح قرية كان يعرفها كما يعرف خطوط يده. يتخيل العودة بوصفها مصالحة أخيرة مع العمر، واسترداداً لما سرقته السنوات.

لكنه حين يعود، قد يكتشف أن الدار التي حملها في ذاكرته لم تعد موجودة إلا فيها. البيت قائم، لكن أصحابه غابوا؛ الشوارع هي نفسها، لكن الوجوه تبدلت؛ الأصدقاء الذين كان يتخيل لقاءهم لم يبق منهم إلا أسماء تتردد في الأحاديث. وربما يجد القرية التي أحبها قد تغيرت أكثر مما تحتمل ذاكرته، وأن الكلمات التي حملها معه من المنفى لم تعد تجد آذاناً تصغي إليها، أو أن الحديث عن الحرية أصبح غريباً في مكان كان ينتظر أن يستعيد فيه حقه في الكلام.

عندها يصبح الحنين امتحاناً قاسياً: أن تعود إلى المكان الذي اشتقت إليه، فلا تجد فيه ما اشتقت إليه. وأن تكتشف أن الوطن ليس جغرافيا فحسب، وأن العودة إلى الحدود لا تعني بالضرورة العودة إلى البيت. فالوطن أيضاً زمن مشترك، وذاكرة حية، وعلاقات إنسانية، وشعور بالأمان، وقدرة على أن تكون نفسك من دون خوف. فإذا تبددت هذه المعاني، أمكن للإنسان أن يكون في بلاده غريباً كما كان في منفاه، وربما أشد غربة، لأنه فقد المسافة التي كانت تخفف عنه ألم الفقد، وفقد في الوقت نفسه الصورة التي كان يعزّي بها نفسه.

ومع ذلك، ليس كل ما يتبدل يضيع، ولا كل الوجوه الجديدة تمحو الوجوه القديمة. تبقى اللغة التي نتحدث بها، والقصص التي نرويها، والمشاعر التي تستدعي من الذاكرة ما عجزت السنوات عن محوه. وربما لهذا يبدو نداء "يا دارنا"، حين نضعها في سياق المنفى والحنين، أكثر من نداء إلى مكان؛ إنها نداء إلى معنى نريد استعادته، وإلى وطن نريده جديراً بالعودة، لا مجرد عنوان في جواز السفر.

إن مأساة المنفيّ العربي لا تختصرها سنوات الغياب، بل تختصرها تلك المسافة المؤلمة بين وطن يتذكره ووطن يجده، بين حلم الحرية وواقعها، وبين ما ظن أن الثورات ستنهيه وما عاد يراه يتكرر بأشكال مختلفة. وما يستحق أن نخافه حقاً ليس أن تتغير الديار، فالتغير قانون الحياة، بل أن تصبح حرية الرأي والتعبير ترفاً مؤجلاً، وأن يُطلب من الإنسان أن يختار بين وطنه وكرامته، ثم يُلام لأنه اختار النجاة.

لا يحتاج الوطن إلى أن تبقى صوره القديمة محفوظة في ذاكرة أبنائه فحسب؛ يحتاج إلى أن يظل مكاناً يستطيعون العودة إليه من دون أن يعتذروا عن أفكارهم، أو يبرروا اختلافهم، أو يخشوا أن يكون كلامهم سبباً جديداً للرحيل. فالأوطان التي تضيق بأبنائها لا تخسر أصواتهم وحدها، بل تخسر خبراتهم وأحلامهم وأعمارهم، ثم تستقبل عودتهم، إن عادوا، بأجساد أنهكها الزمن وقلوب لم تعد تعرف إن كانت قد نجت من المنفى أم حملته معها إلى الديار.

يا دارنا.. كم يحتاج هذا النداء إلى وطن يسمعه، لا بوصفه أغنية حنين، بل بوصفه سؤالاً عن الحرية والكرامة والحق في البقاء. وطن لا يكون فيه الصمت ثمن الأمان، ولا الرحيل شرط النجاة، ولا العودة خاتمة حزينة لحياة أُهدرت بين الخوف والانتظار.

فما أقسى أن يعود الإنسان إلى الدار، بعد عمر من الشوق، فلا يجد من ماضيه إلا الصدى. وما أقسى أن يكتشف أن الذي ظل يناديه طوال سنوات المنفى لم يكن المكان وحده، بل ذلك الوطن الممكن الذي حلم به، وثق أن أبناءه يستحقونه، وانتظر أن يعود إليه يوماً.. فإذا به لا يزال ينتظر.

ومع ذلك، لا نريد لهذه الحكاية أن تنتهي عند الصدى، ولا أن يصبح المنفى قدراً عربياً تتوارثه الأجيال، أو أن تظل العودة حلماً مؤجلاً حتى يهرم أصحابها ويعودوا إلى ديار لم يبق لهم فيها سوى الذكريات. فما زال في وسع التاريخ أن يمنحنا نهايات أخرى، شرط أن نتعلم من مآسيه، وألا نكرر الأخطاء ذاتها ونحن نظن أننا نسلك طريقاً جديداً.

من هنا، فإن كل الدعاء لسوريا وأهلها أن تنحت ثورتهم تجربة عربية أخرى ناجحة، وأن يتمكنوا من بناء وطن لا يضطر فيه إنسان إلى الاختيار بين قناعاته وسلامته، ولا يُجبر فيه صاحب رأي على مغادرة بيته لأن كلماته لا ترضي سلطة أو جماعة أو حزباً. سوريا التي دفع أهلها أثماناً باهظة من الدم والخراب والتهجير تستحق أن تكون بداية مختلفة، لا فصلاً جديداً من المأساة نفسها؛ وأن يجد أبناؤها في وطنهم ما يجعل العودة إليه استعادة للحياة، لا مواجهة متأخرة مع الفقد.

وليس النجاح أن يعود المنفيون إلى سوريا فحسب، بل أن يعودوا إليها مطمئنين إلى أنهم لن يُجبروا على الرحيل مرة أخرى، تحت أي ذريعة، وأن الذين بقوا فيها لن يضطروا إلى مغادرتها خوفاً من رأي أو موقف أو اختلاف. فالحرية التي لا تحمي المختلف تظل ناقصة، والوطن الذي لا يتسع لجميع أبنائه يظل مهدداً بأن يعيد إنتاج غربتهم، حتى وهم يعيشون في بيوتهم.

لعل سوريا تستطيع أن تكتب هذه المرة حكاية أخرى، وأن تثبت أن الثورات، وإن تعثرت في أماكن، ليست محكومة جميعها بالنهايات ذاتها، وأن الأوطان قادرة على النهوض حين تصبح كرامة الإنسان وحقوقه أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع. عندها فقط لن يكون نداء "يا دارنا" نداء للحنين إلى ما ضاع، أو أغنية تونسية حزينة، بل نشيداً للعودة إلى ما أمكن إنقاذه وبناؤه من جديد.

ذلك هو الحلم الذي نريده واقعاً، لا عزاءً شعرياً للمنفيين: أن يأتي يوم لا يضطر فيه عربي إلى أن يشيخ بعيداً عن داره كي يحتفظ بحقه في أن يكون نفسه، وأن يعود إلى وطنه قبل أن يصبح الوطن ذكرى، وقبل أن لا يبقى من الوجوه والطرقات والأحلام إلا الصدى.

اقرأ المزيد

بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه! بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه!

أحياناً لا يصنع التاريخ مفارقاته الكبرى في ساحات المعارك، بل في جملة قصيرة تصدر من عاصمة كانت، قبل... اقرأ المزيد

330

| 11 سبتمبر 2026

الكبار.. كنز في كل دار الكبار.. كنز في كل دار

لفتني حديث للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، خلال مروره ضيفا على إحدى... اقرأ المزيد

213

| 04 سبتمبر 2026

من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء

لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة... اقرأ المزيد

258

| 26 أغسطس 2026

مساحة إعلانية