رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

573

د. هلا السعيد

رحل محمد... وبقي حبّه عطاءً

19 أكتوبر 2026 , 12:00ص

16 اكتوبر هو ذكرى ميلاد ابني محمد رحمه الله . يوم يحمل في قلبي فرحتين مختلفتين في الزمن: فرحة يوم احتضنته، وفرحة كل ذكرى جميلة تركها لي. وبينهما وجع غيابه الذي مضت عليه أربع عشرة سنة، وما زلت أجدني أمامه أمًّا تشتاق، تتمنى حضنًا واحدًا، وكلمة «ماما» مرة أخرى، ولحظة تطمئن فيها على وجه ابنها الحبيب.

أكتب اليوم لأن في قلب الأم كلامًا لا تنهيه السنوات. نتعلم كيف نعيش بعد الفقد، كيف نستقبل الصباح، ونؤدي واجباتنا، ونبتسم لمن حولنا، لكن الاشتياق يبقى حاضرًا في التفاصيل. يوقظه تاريخ، أو صورة، أو صوت يشبه صوتًا نحبه، فنشعر أن المسافة بيننا وبين يوم الوداع اختفت، وأن القلب ما زال هناك.

يقولون إن الزمن يداوي، وأنا أشعر أنه يعلّمنا كيف نحمل وجعنا ونمضي. لا تمضي الأيام كلها بالطريقة نفسها؛ بعضها يمر برفق، وبعضها يثقل على الروح. وفي ذكرى ميلاد محمد، أسمح لدمعتي أن تنزل، ولقلبي أن يقول: اشتقت إليك يا ابني، مهما بدا للناس أنني قوية، ومهما امتلأت حياتي بالعمل والمسؤوليات والعطاء.

كثيرًا ما نسمع عبارة «فاقد الشيء لا يعطيه»، لكنني وجدت في تجربتي أن الفاقد قد يعطي مما يتمنى، ومما يعرف قيمة غيابه. من ذاق الخوف على من يحب، قد يصبح أشد حرصًا على طمأنينة الآخرين. ومن عرف مرارة العجز، قد يبذل جهده حتى لا يترك إنسانًا يواجه ألمه وحيدًا دون سند.

فقدت ابني، واستمررت في العطاء. لم يكن الاستمرار سهلًا، ولم يكن انشغالي يعني أن الحزن انتهى. كنت أحمل أمومتي معي إلى عملي، وأشعر أن هذا الحب الكبير الذي بقي في صدري يحتاج أن يصل إلى أحد. وهكذا أصبحت أرى محمد في كل طفل أحاول أن أوصله إلى بر الأمان، بقدر استطاعتي.

أراه حين يكتسب طفل مهارة صغيرة انتظرتها أسرته طويلًا، وحين ينجح في التعبير عن احتياجه، وحين تنفرج ملامح أم بعد قلق. أشعر عندها بدفء يلامس قلبي، وكأن حبي لمحمد يجد طريقًا جديدًا للحياة. لكل طفل اسمه وحكايته ومكانته، ولمحمد مكانه الذي لا يشغله أحد، لكن المحبة في قلب الأم تتسع وتفيض.

ومع كل أسرة تعاني، أحاول أن أقف بما أملك من علم وخبرة وإنسانية. أستمع، وأساند، وأبحث معها عن خطوة ممكنة. أعرف أن بعض القلوب تحتاج أولًا إلى من يسمعها دون حكم، وأن الأم التي تبدو متماسكة قد تكون في داخلها مرهقة، تتمنى كلمة تطمئنها ويدًا تساعدها على حمل يومها بكل تفاصيله.

لا أقول إن أوجاعنا متشابهة، فلكل أسرة تجربتها، ولكل أم خوفها الخاص. لكن فقدي جعلني أكثر انتباهًا للألم الذي لا يقال، وللدمعة التي تختبئ خلف ابتسامة. علّمني أن أسأل بصدق، وأن أمنح الوقت، وأن أتذكر دائمًا أن وراء كل حالة أتابعها إنسانًا، ووراء كل طفل أسرة تحتاج بدورها إلى الرعاية والاحتواء.

ولست قوية في كل لحظة. أنا أيضًا أتعب وأبكي وأحتاج إلى الاحتواء. عطائي لا يلغي حقي في الحزن، ولا يجعل اشتياقي أقل. أحيانًا أعود من يوم مليء بالإنجاز، وأتمنى فقط أن أحكي لمحمد ما حدث، أن أخبره عن طفل تقدّم، وعن أم ابتسمت، وعن دعوة صادقة شعرت أنها احتضنت قلبي المتعب.

يا محمد، بقيت محبتك معي في الدعاء، وفي الرحمة، وفي كل محاولة صادقة لتخفيف وجع إنسان. أسأل الله أن يرحمك، وأن يجعل لك نصيبًا من أجر الخير الذي ألهمني حبك أن أواصل طريقه. سأشتاق إليك ما حييت، وسأظل أمنح من قلبي؛ فقد عرفت بالفقد كم يحتاج الإنسان إلى الأمان والحب والسند

مساحة إعلانية