رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جابر الحرمي

مساحة إعلانية

مقالات

1287

جابر الحرمي

مشــروع أمـــة تنهــض بــه دولــة

23 ديسمبر 2025 , 04:31ص

- قطر تضيء شعلة اللغة العربية لتنير مستقبل الأجيال

- معجم الدوحة التاريخي للغة العربية مشروع للأمة 

- سمو الأمير حرص على رعاية المعجم وتقديم كل عوامل الدعم لنجاحه

- لـله درك يا دوحة تميم ما نفرغ من حديث عن إنجاز حتى تطالعينا بإنجاز جديد

- وحدها قطر بقيادة سمو الأمير كانت الحاضرة لتبني مشروع المعجم التاريخي 

- معجم الدوحة هو إرث لكل الشعوب العربية بدون استثناء 

مهما بلغت الأحوال العربية من هموم وأزمات متلاحقة، يبقى هناك ضوء في آخر النفق وتبقى هناك شعلة أمل تنير الطريق إلى مستقبل أفضل للأمة العربية، هذه الشعلة أنارتها الدوحة اليوم ليسطع نورها أمام أجيال الحاضر والمستقبل. وكانت الشعلة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، بتشريف حفل الإعلان عن اكتمال المعجم بعد 13 عاما من عمل دؤوب لنخبة من الأساتذة الكبار وخبراء اللغة الذين أبحروا عميقا في جذور المصطلحات وتاريخها وتطورها.

هذا المعجم هو مشروع أمة بكل ما للكلمة من معنى، لأنه يحفظ للأمة هويتها ويستعيد أمجاد لغة الضاد بعدما ظن البعض أن لغتنا تنحسر جراء الغزو الرقمي بمصطلحاته ومفرداته التي تكاد تسيطر على الجيل الجديد. 

كان هذا المشروع حاجة ملحة في هذا العصر المتسارع في تطوراته على كل الصعد، ورغم إدراك أهل الأمة أهميته وحاجته ترددوا بالخوض به. ولم يسبق أن غامر أحد وسار على هذا الدرب الوعر. وحدها قطر بقيادة سمو الأمير كانت الحاضرة لتبني هذا المشروع مهما كانت الصعاب ومهما بلغت التضحيات.

لقد حرص سمو الأمير على رعاية هذا المشروع وتبنيه وتقديم كل عوامل الدعم لنجاح المشروع واكتماله، ولذلك كان حضوره الحفل ينطوي على مدلولات كثيرة وكان لافتا حرصه على تكريم فريق عمل المعجم بدون استثناء. فالمشروع هو امتداد لسياسة قطر التي حملت هموم الأمة على عاتقها وساهمت بكل ما من شأنه دعم نهضتها واستقرارها وازدهارها.

ولذلك أعرب سموه عن فخره بهذا الإنجاز الكبير حيث قال: نفتخر في قطر باكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، الذي يعزز بمادته الثرية تمسك شعوبنا بهويتها وانفتاحها على العصر ووسائله الحديثة بكل ثقة. وهذه مناسبة لشكر كل من ساهم في هذا المنجز الحضاري التاريخي الذي نعتبر اكتماله ومراحل إنجازه مظهرا من مظاهر التكامل العربي المثمر.

إن معجم الدوحة هو إرث لكل الشعوب العربية بدون استثناء، هو أيضا حصانة وضمانة للهوية في زمن العولمة والرقمنة وتسارع المتغيرات. وقد تعلمنا من تجارب التاريخ أن الأمم التي عزمت على النهضة والاستمرار بادرت إلى حماية لغتها وصون هويتها. ولنا في اليابان مثال على ذلك حيث إنها تعرضت لهزيمة في الحرب العالمية ولحق بها الدمار لكنها نهضت ونفضت عنها غبار الحرب وتمسكت بشيئين، هويتها ولغتها، ومكنت أجيالها من توارثهما واستمراريتهما حتى أصبحت تلك الدولة نموذجا عالميا للنهضة والنجاح والازدهار.

التاريخ يؤكد دائما أن نهوض الأمم وبعثها لا يكون إلا عبر لغتها وهويتها، بل إن اليهود عملوا لبناء كيان مزعوم بعد أن سعوا لبعث لغة مندثرة «العبرية» لتكون أرضية تجمعهم. 

‏اليهود أحيوا لغة مندثرة.. ميتة.. لا حضور لها في التاريخ أو العلم أو الحضارة.. وحولوها إلى واقع معاش، وترجموها في معاملاتهم اليومية، وجمعوا « شُذّاذ « الآفاق عليها، بعد أن أجمعوهم في أرض ليست لهم، اغتصبوها من أهلها، وأقاموا عليها كيانا..

 ‏بينما أصحاب لغة القرآن المحفوظ إلى يوم الدين بحفظ رب العالمين.. لغة التاريخ والحضارة والعلم.. أماتوا لغتهم، وفضلّوا عليها لغات قوم آخرين.. بل استبدلوها بلغات قوم آخرين.. فأصبحوا كالغراب الذي حاول تقليد مشية الحمامة ففشل، فحاول العودة إلى مشيته فاكتشف أنه قد نسيها، وفقد هويته، فلا هو أصبح حمامة، ولا هو عاد غرابا..

‏كل الأمم التي نهضت وتقدمت وبنت حضاراتها.. ارتكزت في ذلك على هويتها وقيمها ولغتها... ‏لم تنهض أمة باستيرادها هويات ولغات قوم آخرين... ‏فمتى نعي ذلك، ونعود إلى تاريخنا وحضارتنا ولغتنا... ‏لن تكون لنا عودة ونهضة وصناعة.. إلا بالعودة إلى هويتنا وتاريخنا ولغتنا... لذلك يمثل معجم الدوحة مرتكزا اساسياً ولحظة فارقة، كونه يمثل مشروع أمة تقوم به دولة، برعاية واهتمام كبير من قيادتها الحكيمة والرشيدة، التي تعي أهمية هذا المشروع لنهضة الأمة.

من هذا المنطلق يحق للدوحة أن تزهو وتحتفي بهذا الإنجاز الثقافي والمعرفي العربي الذي يواكب العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. إنه احتفاء بأكبر مشروع للغة العربية في تاريخ الأمة وعلى مستوى العالم. وسوف تكتشف أجيال الحاضر والمستقبل أهمية هذا المشروع في مسار اللغة العربية وتاريخها ويوفر لكل طلبة العلم والباحثين مادة لغوية موثقة تمتد من أقدم نص عربي موثق حتى العصر الراهن على مدى عشرين قرنا، ويقدم خريطة تاريخية شاملة لتطور الألفاظ ومعانيها عبر العصور.

 كثيرة هي مزايا المعجم فهو ينفرد برصد ألفاظ اللغة العربية منذ بدايات استعمالها في النقوش والنصوص، وما طرأ عليها من تغيرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصية، متتبعا الخط الزمني لهذا التطور. وتعرض هذه البوابة الإلكترونية مواد المعجم، وتتيح البحث في المدونة النصية، كما تقدم عدة أنواع من الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية. 

 كما أن هذا المعجم ينفرد بكونه يؤرخ لجميع ألفاظ اللغة العربية، منذ 400 سنة قبل الهجرة، وذلك بتتبع الكلمة منذ ولادتها، حتى اليوم، فضلاً عن كل ما طرأ عليها من تحولات، ما يخرجها بالتالي من المعنى المحسوس إلى الآخر المعنوي وهذا عمل غير مسبوق، إنه إنجاز يعيد الأمجاد للغة الضاد ويعيد الحياة لكثير من المفردات والمصطلحات.

ولعل سعادة وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي لولوة الخاطر أجادت بوصف هذا المشروع بأنه «مشروع معرفي حضاري متكامل، يعكس فهما عميقا لدور اللغة في التاريخ وفي الحاضر، ويؤسس لقراءة علمية جديدة لمسار العربية وتطورها».

 كما أن هذا الإنجاز -كما تقول سعادة السيدة لولوة الخاطر - يبعث «رسالة مفادها أن البحث العلمي الجاد، وتوفير الموارد والمساحات للحوار الفكري، ما زال ممكنا في المنطقة، رغم التحديات». وفي ذلك عين الصواب فهذه الأمة قادرة على الابتكار وصنع الإنجاز إذا ما اقتدت بالدوحة. التي تمتلك من الإرث والدور ما يؤهلها لاحتضان مشاريع فكرية نهضوية تسهم في إعادة الاعتبار للإنسان العربي في كل مكان وزمان.

 لقد سخرت دولة قطر كافة إمكاناتها لإنجاز هذا العمل، وتقديم مدونة، تضم مليارات السياقات، منذ أقدم نص، حتى اليوم. كما أن الدوحة تشكر لاستقدامها خبراء اللغة العربية من جميع الدول العربية ليساهموا بعلمهم ومعارفهم وخبراتهم في هذا الإنجاز.

 ويحسب للدوحة وللقائمين على المشروع نجاحهم في الربط بين التقنيات الحديثة، واللسانيات العربية، حتى أصبح المعجم منصة كبيرة، لخدمة الباحثين في شتى بقاع الأرض، لتميزه أيضاً بمزايا أخرى عديدة، منها رصده لمقاربة الكلمة العربية مع نظيراتها في اللغات السامية، وكذلك رصده للكلمات الدخيلة عليها وهذه النقطة تضاف إلى المزايا التي ينفرد بها المعجم.

 ومع تدشين هذا المشروع العملاق تعزز الدوحة مكانتها مركزا معرفيا ولغويا رائدا في المنطقة، ويؤكد دورها في دعم البحث اللغوي العربي والتقنيات اللغوية الحديثة. حيث باتت بوابة المعجم، بعد اكتماله، تضم رصيدا لغويا ضخما وغير مسبوق، يشمل أكثر من 300 ألف مدخل معجمي، ونحو 10 آلاف جذر لغوي، ومدونة نصية تتجاوز مليار كلمة، إلى جانب ببليوغرافيا تضم أكثر من 10 آلاف مصدر، مما يجعله من أوسع المعاجم التاريخية العربية من حيث التغطية الزمنية والمادة العلمية.

 لـله درك يا دوحة تميم ما نكاد نفرغ من حديث عن إنجاز حتى تطالعينا بإنجاز جديد وكأن التاريخ العربي تكتب صفحاته المشرقة في دوحة العرب.

مساحة إعلانية