رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تونس مقبلة على فترة تحولات طويلة، ولن يمكن التخلص من تركة زين العابدين بن علي بسرعة وسهولة، ليس فقط لأنه أمضى ثلاثة وعشرين عاماً في الحكم، بل لأنه كان تحول حاكما فعليا لأعوام قبل أن يحتل قصر قرطاج، لم يكتف بالأمن، وهو اختصاصه، وإنما استخدم العقلية الأمنية في إدارة السياسة في الحزب كما في الدولة، ويسري ذلك أيضاً على إدارته للاقتصاد ولمختلف القطاعات والأنشطة.
ما نسمعه ونقرأه ونشاهده اليوم عن "مآثر" المافيا العائلية للنظام السابق، كان معروفاً جيداً لدى السفارات ودولها، ومع ذلك كانت هذه الدول تكيل المدائح للرئيس وإنجازاته في "مكافحة الإرهاب" علماً بأن هذه المكافحة كانت موجهة أكثر لتثبيت الحكم الفردي المستبد، خصوصاً أن تونس لم تشهد "ظاهرة إرهاب" بل أن النظام اختلقها لتبرير ممارساته، وإذ يجادل البعض بأنه استبق بروز الظاهرة وحاربها وجنب تونس ويلاتها، فإن ما ينسى هنا أن تلفيق عمليات إرهابية وتلفيق إحباطها واعتقال مرتكبيها المزعومين ثم محاكمتهم والحكم عليهم لا تشكل إنجازاً حقيقياً مجدياً، وإلا لكانت كل الدول لجأت إلى هذا الأسلوب، هناك شكوك بأن بعض الدول والأجهزة قد يكون قلّد طريقة بن علي، لكن في نطاق ضيق ومحدود، وبمستوى أقل من الافتعال، ولأهداف ودوافع مختلفة، كما شهدنا في العراق أو في المناطق الفلسطينية على أيدي قوات الاحتلال.
جاء وقت راحت الدوائر الغربية، خصوصاً الأمريكية، تروّج لنموذج بن علي على أنه المرغوب والمطلوب في المنطقة العربية، وقد حاول العديد من الحكام التمثل بهذا النموذج، تكيفاً مع تلك الرغبة، وإذ قاربوا الخبرات التي أعدها بن علي للتصدير فإنهم كسواهم حتى من الغربيين اكتشفوا استحالة تطبيقها، فهذا الرجل جعل بلده وشعبه حقل تجارب للأفكار التي يغترفها من رأسه، ورغم أنه تمتع بإعجاب غربي، إلا أن مطاردته لمئات الإسلاميين الذين هاجروا قسراً إلى بلدان أوروبا، وإلحاحه على ملاحقتهم قضائياً، وعدم استجابة العواصم المعنية لهذا السعي، أحبطته إلى حد ما بمقدار ما كشفت عيوباً أخرى كثيرة اكتنفت نظامه خصوصا احتقاره للحريات وجعله تعذيب السجناء منهجا ثابتا ومستسهلا، فضلا عن شغفه الدائب بإسكات الإعلام في الداخل كما في الخارج.
ثم ان الأمر لم يقتصر على الإسلاميين، بل ظهر سريعا أن أي صوت معارض مهما بلغت رزانته وعقلانيته ووسطيته غير مرغوب فيه عند بن علي، لكنه في سعيه إلى تطبيق المواصفات الغربية لـ"النظام المقبول"، راح يخترع الأحزاب المعارضة التي استخدمها كدمى يحركها كيفما يشاء، فتارة يكسبها بعض المقاعد في الانتخابات وتارة يعاقبها للإيحاء بأنها لعبة الناخبين ولا علاقة له بها، وفي النهاية لم يبق في الساحة السياسية إلا من استطاع أن يصبر ويصمد، وهم قلة لم يخطئ التونسيون في تحديد رموزها، أما إحدى الخدع الكبرى التي روّج لها النظام وتولى حزب التجمع الدستوري توليفها: فكانت ان بن علي باق عند الوعد الذي قطعه للتونسيين بأن "لا رئاسة مدى الحياة"، ولو أنه أوفى بما وعد يوم استولى على الحكم في 7 نوفمبر 1987 لكان يفترض أن يخلي كرسي الحكم منذ عام 2004، لكن الخدعة اقتضت أن ينظم حزبه، كلما اقتربت الانتخابات حملة لمناشدته بأن يتنازل ويقبل بولاية رئاسية أخرى، ثم ان البرلمان يجتمع خلافا لرغبته ورغما عنه فيقر تعديلا دستوريا يتيح له الترشيح لمرة رابعة وخامسة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
على خلفية كهذه ينبغي أن تجد تونس سبيلها إلى نظام سياسي جديد، ولذلك تبرز المصاعب، بل لذلك ارتسمت وضعية المستحيل التي وجدت نفسها بمواجهتها، فالشعب المحتج على حق، والحكومة الانتقالية على حق، الشعب محق تماما برفض كل رموز العهد السابق ورجاله، فهؤلاء كانوا مشاركين راغبين وليسوا مرغمين، وإذا كان المأخذ على المعارضين قلة خبرتهم فإن المأخذ على الموالين أن خبرتهم أوصلت البلد إلى الكارثة، وإذا كانت ذريعة الاستعانة بوجوه من الحزب الحاكم لأنه يتمتع حاليا بغالبية ساحقة في البرلمان فإن هذا البرلمان انتخبه صوت واحد لا غير هو صوت الرئيس المخلوع كان ممكنا وضروريا، أن يؤتى بشخصيات مستقلة محترمة يزخر بها المجتمع التونسي والأهم أنه يثق بها تحديدا في المرحلة الانتقالية التي يفترض أن توضع فيها قواعد اللعبة للمرحلة التالية، أما لماذا تعتبر هذه الحكومة محقة أيضا بالإصرار على تسيير عجلة البلاد والحكم، فلأن الواجب الأول الذي فرض نفسه في اليوم التالي لرحيل بن علي هو إعادة النظام والأمن، ولو استمرت الفوضى فإنها كانت ستحتم قفز العسكر إلى الحكم، وهو ما لم يبد الجيش راغبا فيه أساسا، إذ انه ترعرع على عقيدة جمهورية نظيفة تدعوه إلى البقاء في الثكن وعدم الخروج منها إلا لواجب الحفاظ على هذه الجمهورية ومنع الجنوح نحو الفوضى والاقتتال الأهلي.
قد يكون بن علي، في صعوده ثم في سقوطه، كتب نهاية حزب التجمع الدستوري، ولا يبدو الثمن الذي دفعه هذا الحزب خلال أسبوع على رحيل الرئيس المخلوع سوى دفعة أولى، وها هو الآن أشبه بجسم كبير فارغ يضطر أعضاؤه إلى التبرؤ منه وإنكاره.
فما بدأ في تونس على أنه انتفاضة اجتماعية من أجل الخبز والعمل، ساهم القمع والتقتيل في جعله ثورة لم تسقط الحاكم فحسب، بل هي في طريقها لتثبيت سقوط حكم الحزب الواحد، ولا يعرف تماما ما سيحل بهذا الحزب الذي عاش طوال أعوام على تماهيه الكامل مع الدولة، فالدولة هو وهو الدولة، والدولة حاكم فرد اضطر للمغادرة. وسواء أجريت الانتخابات المقبلة بعد ستة أشهر أو أكثر فسيكون من الصعب على أيا كان أن يترشح تحت راية التجمع الدستوري، وحتى الحزب الذي سيرأسه باسم آخر سيجد صعوبة في إقناع الناخبين بأنه تطهّر كليا من تركة الفترة الاستبدادية.
هذه المرحلة الانتقالية لابد منها، ومن الأفضل لأنصار "الثورة" أن يشاركوا بأي شكل في وضع القواعد ليتمكنوا من المشاركة في التجربة وفي تطويرها، فالنظام الجديد لن يولد من الانتخابات المقبلة، وإنما سيبدأ التعريف بملامحه الحقيقية في الانتخابات التالية إذا أمكن للحياة السياسية ان تمضي هادئة وسلمية في بحثها عن الثبات والاستقرار.
فرائس الاتصال المرئي
منذ سنوات، ومنصات التواصل الاجتماعي تدفع المحتوى المرئي إلى الواجهة على حساب المكتوب، ظهرت منصات كاملة مبنية على... اقرأ المزيد
156
| 21 أبريل 2026
قطر والأردن.. علاقات لا ترسم بالكيلومترات
لعلك تظن أنني حين أقول إن الأمة الإسلامية والعربية عامة والأردني في طليعتهم يحمل من الود والقرب والألفة... اقرأ المزيد
168
| 21 أبريل 2026
ترنيمة الإنكسار والنهوض
إن من مقتضيات النبل، ومن شواهد استنارة البصيرة، أن يُسلّم المرء لعوارض البشرية وما يعتريها من وهن فطري،... اقرأ المزيد
141
| 21 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1674
| 15 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1659
| 20 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
900
| 16 أبريل 2026