رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر يوم 25 يناير تحاول أن تغتسل مما علق بثوب الثورة، ذات حالة الترقب وحالة انعدام مفاتيح الثورة،ذات حالة مصر منذ عام قبل يناير 2011 غير أن نزاعا بينا بين الإسلاميين وبين الشباب من خارجهم، وبين الشباب وباقي التكوينات التي برزت للصدارة بعد الثورة، اتجاهات تنذر بالسوء وأن هناك من يريد أن يحيلها إلى فوضي، وأنهم "هم" ـ الإسلاميون ـ حماة الثورة ورافضي الفوضى، وهم هذه تعود على غير الشباب الذي تعرض للقتل والاغتيال، الشباب الذي يرفع شعار "يسقط حكم العسكر" وهو الشباب الذي يحاولون تشويهه تارة بالبلطجة وتارة أخرى باتهامه بالتمويل من الخارج وأخيرا بالحكم المطلق عليهم بأنهم ليسوا من الثوار.
نشرت جريدة المصري اليوم جملة على لسان منصور حسن رئيس المجلس الاستشاري والذي جاءوا به من غياهب الركون السياسي بعد أن أقاله السادات آخر أيامه منذ 30 عاما، ليصبح هو نبي المرحلة، وكأن الثورة لا تتقدم للأمام ولكنها تعود للخلف بعمق الزمن الذي ثارت عليه، والجملة المنشورة تصف الدعوة إلى الثورة الثانية بأنها "غير أخلاقية"، وكأن حديثه هو عن ضرورة أن يكون الجيش حاسما ضد الشباب وأن يستخدم القوة هو الحديث الأخلاقي، وكأن ظهوره هو على رأس مجلس استشاري للمجلس العسكري هو تصرف أخلاقي وليس تعيشا ومحاولة للحصول على مغانم في مصر بعد الثورة، ولكن الأمر لا يمسه وحده ولكنه يمس تلك النخبة التي اختارها المجلس العسكري لتكون معا المجلس الاستشاري، واختارته هذه النخبة رئيسا لها، أو كما يقول الشباب، أنه تصرف في شأن الثورة بذات الفكر الذي أرادت الثورة أن تتخلص منه لتضع منهاجا جديدا للتغيير.
قي الوقت ذاته، كانت تصدح قناة الرحمة بأحاديث الفرز والوعيد والإيمان الملزم للصمت، وتحدث من لقبوه بأمين الثورة، أن الشباب الإسلامي الذي يتبع المتحدثون على قناة المحور سيؤمن الميدان، بعد أن يفرغه ممن فيه، وأنهم هم الثوار ومن عداهم أدعياء، وأن برلمان الثورة ودستور سيكتبونه ورئيسا سيختارونه هو الثورة، وما عداهم فهو غير شرعي، أما هدف الثورة "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" هو رجس من عمل الشيطان، وهؤلاء الذين يحملون المباخر والأختام معا هم ذاتهم الذين صمتوا على شهداء الثورة الفترة الماضية، وهم الذين يتيحون العمرات والحج بأعداد بالمئات هدايا للثوار، وهم ذاتهم الذين أدانوا الفتاة المسحولة على الأسفلت لأنها لم تكن ترتدي شيئا تحت العباءة، وتركوا من سحلها وقضوا بأنها ليست منهم، هم من لاموا المقتول والمسحول وادعوا عليهم بما ليس فيهم، وأكلت القطط ألسنتهم طوال أشهر المطالبة بتحقيق الثورة، وأهدافها.
وثالث المقدمات جريمة خطيرة نشرتها بوابة الأهرام الإلكترونية يوم الأحد الساعة 12:50 بأن مجهولين اغتالوا الناشط السياسي محمد جمال عضو ائتلاف لجان الدفاع عن الثورة في حوالي الرابعة فجرًا في ظروف غامضة، حيث تم ذبحه بسلاح حاد خلف دار القضاء العالي أثناء تواجده أمام مكتب النائب العام مع مجموعة من زملائه المعتصمين، الذين يطالبون بتطهير القضاء، وسط ذهول القضاة المعتصمين.
هذه المشاهد الثلاثة تزيد الأمر غموضا عما يمكن أن يحدث، خاصة أن شباب مصر يكاد يكون في مسيرات وتحركات للحشد استغرقت الشهر الماضي كله، ويضاف إلى ذلك حالة التوتر التي أصابت أساطيل النقل البري نتيجة أزمة الوقود، ووصل الأمر بالسائقين إلى إغلاق المحاور المحيطة بالقاهرة بإلقاء حمولات من الرمال والحجارة على تلك المحاور، ويطالبون بتخفيض أسعار الوقود وليس فقط عدم زيادتها.
فمن هو مصدر الخطر الحقيقي على مصر، وعلى الثورة؟
هذه هي بدايات برلمان يطلقون عليه برلمان الثورة، "غير أخلاقية" ووعيد للشباب من قناة تتحدث بلسان وشكل ديني، وذبيح على أعتاب دار القضاء العالي، وطوابير البنزين والسولار وقطع الطرق، والهتاف لا لحكم العسكر، بدايات عمدها نعيق الغربان.
من يدير الدفة الآن؟ وأين هي إرادة الثورة؟
قالت الأستاذة سها السباعي إن الأزمة هي "أزمة إرادة وأزمة إدارة".
واتفق معها، ولكنها ذات الأزمة لدى طرفي المعادلة، هي ذاتها لدى قوى شباب الثورة ولدى القوى المواجهة له.
الإرادات رغم تباينها إلا أنها في جانب الثورة تملك "لا"، وعندما تضع البديل تتفق وقوى الثورة المضادة، بل وتتعايش معهم، لأن الشعب خارج المعادلة.
والإرادة على الجانب الآخر ترفع ذات الشعارات التي تتحدث بها قوى الثورة تفصيلا، ولكنها تقتل الثورة وتصفي دم الثوار.
لقد خرج كلا الطرفان إلى ساحة القتال دون قوة الحسم الرئيسية طوال الأشهر الماضية، وهي القوى الشعبية صاحبة المصلحة.
وترصد عين الصقر أن 27 مليونا خرجوا لانتخابات المجلس النيابي، وأن شبابا من شباب الثورة حصل على بعض المقاعد، وأنهم كانوا بحالة السيولة التنظيمية يواجهون التنظيمات الدينية وحدهم، وحديث الدين صار بوابة تجميد حركة التغيير بل الأخطر أنه صار البوابة الخضراء للرؤى الأمريكية، بعد أن كشف تقريرا صحفيا نشره رئيس تحرير جريدة الفجر المصرية عن اللقاء المنتظر بين رجل الإخوان القوي "خيرت الشاطر" ـ الذي أفرج عنه المجلس العسكري من سجنه لأسباب "صحية" بعد الثورة ـ وبين الإدارة الأمريكية، كما كان قد نشر من قبل تقريرا تم نفيه في عجالة عن لقاء بين ذات الشخص والمجلس العسكري منذ ثلاثة أشهر، وهذا كله يوضح ما الذي أنتجته بالفعل الفترة الانتقالية التي قاربت العام.
بعد اغتيال السادات ووصول مبارك إلى السلطة، خرجت أقوال جديدة أنه يجب منح الرجل فرصة لأن الظروف حساسة وهي ذات المقولة التي تتردد الآن أنه بعد الغياب لنظام مبارك من الواجب أن نترك الفرصة للتنظيمات الدينية التي لم يؤسسها حسن البنا كما يقولون ولكن أسس أوعية تكوين عناصرها الحالية وبأوامر من أنور السادات كل من محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان، وهو الجيل الذي تكون في رحم السبعينيات ويتصدى اليوم للقيادة، وتغييبا لحقائق زمن التكوين الجديد وممارساتهم خلاله، يجري الحديث عن فرصة جديدة لهم، دون أن يتحدث أحد عما يعرضون من رؤية أو تصور يتسق ومطالب الثورة، حتى أن رئيس حزب الحرية والعدالة وأمين الحزب العام قاما بزيارة لرئيس اتحاد الصناعات المصرية صاحب الكويز وربيب جمال مبارك والذي جاء به رشيد محمد رشيد الهارب الآن خارج مصر.
الفرصة التي يطالبون بإتاحتها هي الآن متاحة أمام نظام السادات (منصور حسن وقيادات الإخوان الجديدة) ونظام مبارك (الجنزوري وجهاز الإدارة) وجهاز أمن الدولة الغائب الحاضر (السلفيون)، وبمباركة أمريكية سعودية وبحماية من المجلس العسكري، وكأننا في مصر بعد الثورة نتحرك عكس قوانين المجتمع فبدلا من أن ينتج "الجديد من قلب القديم" الذي يحمل بذور فنائه، صار أمر عجز الساسة والنخب ينتج "القديم من قلب الجديد" وينفيه ليبقى، غير مدركين أن عوامل فنائه مازالت قائمة، وستعمل أثرها مهما قاوموا.
قبل أن نبحث في أمر مجلس الشعب القادم والرئيس والدستور، علينا أن نتساءل من هو الذبيح القادم على أعتاب الثورة من شبابها؟ أليس هذا السؤال يحمل من الواقعية أكثر من أحاديث الفرص المتاحة لخليط أعداء الشعب، رغم الفرص الضائعة من الثورة التي قام بها الشعب؟
كسرت ثورة يناير قيودا لا حدود لها، وتجاوزت كل التنظيمات التي كانت والنخب المترهلة، وليس أدل على ذلك من طبيعة تشكيل مجلس الشعب الجديد، ولكن ما يحاول البعض تجاهله أو هو لا يدركه أنها كسرت معادلات الثورة في العالم، وكسرت الشرنقة التي كانت تحيط خيوطها الحريرية أو الحديدية بدور الشباب، وأن الشباب قد وضع شعارا منهجيا بالإضافة إلى نداء الشعب "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وتمثلها الشعار المنهجي أن خيارات الشباب لا تنضوي تحت المنهج التقليدي الذي يوقع صكوك الولاء حتى الانحناء، وأنه لن يوقع أبدا، وأن كل شيء محل النقاش والتقييم، وعلى ذلك فإن المنهج الذي أنتجه يمكن وضعه تحت عنوان "استمرار الثورة"، سواء كان تجديدا بالتوالي العددي أولى وثانية وثالثة والتي استدعت من القدم من عصر السادات قبل 30 عاما أن يصف المنهج هذا "بغير الأخلاقي" لأنه منهج في الأساس يقضي بنفيه هو وما يمثله ومن أتى به، أو كان معنى الاستمرار هو مسيرة الشهداء المستمرة.
إن محاولة أخرى غير أخلاقية تستبدل المجلس المنتخب بالحركة الشعبية، أو بالميدان، وهنا يبين الاختلاف المنهجي، فبينما هم يرون أنفسهم بديلا عن الحركة، وبالتالي يدخلون الشباب ثلاجة الجلسات ومقاعد اللجان بالمجلس، إلا أنهم لا يستحون أن انعقادهم يتم خلف أسوار تفصلهم عن الشعب بعضها حجري والآخر من الأسلاك الشائكة، وإذا كانت حكومة للوفد جاءت فوق دبابات الجيش البريطاني، وحكومة العراق جاءت فوق دبابات أمريكية، فإن برلمان 2012 جاء من فوهة بنادق اغتالت الشباب وسحلته واعتقلته وحاكمته عسكريا، وكانوا يشيحون بوجههم بعيدا.
وبالقطع سيتساءل أحدهم ثم ماذا بعد؟ والإجابة بسيطة وليس بها أي تعقيد، أن كل ما يلزم لإحداث التغيير الحقيقي واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة للثورة، وأن تلك الصور المتنوعة لإجهاض الثورة هي بالقطع أبواب إلى مزيد من الانفجار والصراع، وبدلا من أن يكون برلمان الثورة هو مصدر الشرعية، سيكون هو رمز الانقلاب على الثورة، وسيكون محط رمي الجمرات.
النور الذي فجرته ثورة يناير لن يستطيع تحالف الانقلاب على الثورة أن يطفئه، بل سيعمي أبصارهم، ويفتح الباب على مصراعيه لجيل جديد سيحقق التغيير الذي يحتاجه الوطن.
الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد،... اقرأ المزيد
171
| 04 أغسطس 2026
رحلة القطار
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن... اقرأ المزيد
213
| 04 أغسطس 2026
نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر
في زحمة الحياة وضجيجها، وفي خضمّ صراعاتها التي لا تنتهي، يظلّ هناك كنزٌ لا يفنى، وجوهرةٌ لا تُقدّر... اقرأ المزيد
99
| 04 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2088
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2085
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1461
| 30 يوليو 2026